الصراعات والوئام في زنجبار: ذكريات علي بن محسن البرواني

الصراعات والوئام في زنجبار

الجزء ١ · صفحة ١٨٨

الفصل الرابع عشر

الحلم الذي ضاع

:أولا خطر التبديل فى الأمة: الفتنة أشدّ من القتل

مساء الحادي عشر من يناير 1964 استضفت أنا وقرينت مهندسا معماريا مصريا من الطراز الأول، بعثته الحكومة المصرية، لتصميم مخططات نواة جامعة بجزيرة زنجبار لمسلمي شرق ووسط إفريقيا. وكان من المزمع إلحاق مستشفي حديث

1

يسلط هذا الفصل الضوء على ما تفعله الطائفية بنسيج الوحدة الوطنية لأي أمة، ويبين كيف أن ذلك الداء القاتل كان بابا واسعا للتدخل الخارجي، ولهدم فرص الوئام في بلد عرف بالبساطة والهدوء إلى حد أنه لم يكن له جيش، ويحكي فصول مأسسة تلك الطائفية برعاية بريطانية، وكيف كان افتراسها للسلام الاجتماعي في انقلاب،1964، ويقدم كشف حساب لإخفاقات كل من الطائفية والاشتراكية في زنجبار منذ الانقلاب حتى الآن.

ويستهل المؤلف هذا الفصل برسم صورة يستحضر فيها نخبة من رموز صناعة الحب والإخاء والتزكية والعمران من مشايخنا الأوائل، ثم يقدم الصورة المقابلة لدعاة الفتنة من المشايخ الجدد، الذين ينقبون عن دواعي الفرقة بين البشر. ويحذر بقوة وبحجة بالغة من مغبة الإنسياق وراءهم. ويبين أن في وجود مليارات من البشر لم يهتدوا إلى دين سعة ومجال رحب لمن يرغب في الدعوة الحقة، وفي تقديم خدمة دينية جادة للبشرية. أما السعي إلى الفتنة المذهبية، فليس من الإسلام في شئ. ثم يبين عواقب تبني أيديولوجيات إنسانية مارقة، مثل الماركسية نبعت في الأساس، وغذيت من بعد، من عقول أعداء الأمة الإسلامية، وروجت الزيف، وهدمت الحلم في مشروع حضاري مؤسس على التقوى، ونابع من ميزان إسلامي صحيح، يرسي الأخوة والعمران في الأرض، وينأي بنفسه عن أي إساءة للإنسان الذي فطره الله على الحرية المسؤولة، وكرمه ونعمه. ويحكي في هذا السياق بمرارة زيف ما يسمى الاشتراكية، وكيف أتت على الأخضر واليابس في، زنجبار، وأضرت بالبشر وبالحيوان وبالزرع وبالحجر المترجم

كامل التجهيز ومسجد بهذه المؤسسة العلمية، علي أراض في كوامتيبورا تبرع بها بالفعل المرحوم الشيخ محمد ناصر اللمكـ وأبناء الشيخ مسعود بن علي الريامي.

وفي نفس ذلك اليوم وقعت الكارثة بعد منتصف الليل. نشبت قلاقل أسفرت عن الإطاحة بحكومتنا، ومقتل الألوف من أبناء شعبنا، في حدث منقطع النظير علي مدى تاريخ زنجبار الطويل. وزج بي في السجن عشر سنوات وخمسة أشهر دون محاكمة. ونجا المهندس بأعجوبة من القتل، أو من السجن لأجل غير مسمى، وفق ما علمت منه فيما بعد، بفضل العون الذي قدمه له خال قرينتي أحمد عمر الجهضمي، الذي نجح في إخراجه من زنجبار إلى بر الأمان.

ولو كتب لنا التوفيق في إنجاز هذا المشروع الهام لما ذاق مسلمو شرق ووسط إفريقيا الهوان الذي عانوا منه على مدى العقود الثلاثة الماضية، ولا زالوا يتجرعونه بسبب الافتقار إلي مؤسسات التعليم العالي

ومنذ الإطاحة بحكومتنا الوطنية المنتخبة، ولّت أيام مدرسة باكثير. وولى عهد كان لدينا فيه علماء وقضاه مشهورين يشار إليهم بالبنان. أين السيد احمد بن سميط؟ أين الشيخ عبدالله باكثير؟ بل أين تلاميذهما وحوارييهما من أمثال: السيد عمر بن سميط، والشيخ محسن بن علي، والشيخ أبو بكر، والشيخ محمد بن علي بن خميس والشيخ محمد بن عمر، والشيخ سليمان العلوي؟ أين الشيخ سعيد بن دهمان؟ أين الشيخ حسن بن عمير؟ أين الشيخ برهان المكلا وأضرابه من أمثال مشايخنا: ناصر بن جاعد الخروصي وسيف بن ناصر الخروصي وقسور

373

372