الصراعات والوئام في زنجبار
الجزء ١ · صفحة ١٩٨البريطانية مهمة الادعاء إلى بيلي ميرفي المدعي العام ومستشار الملكة، يعاونه فيها رئيس هيئة الإدعاء الذي استدعي من تنجانيقا لهذا الغرض. واعتبرت السلطات البريطانية تلك المسماة بقضية "إثارة الفتنة" من الخطورة بمكان بحيث سوغت لها اسناد مهمة التحقيق فيها لادعاء علي هذا المستوى الرفيع. أما مجرد مقتل ثمانية وستين آدميا هم علي أية حال ينتمون إلي حزب يسعى إلى إنهاء الحكم الاستعماري، فيكفي أن يتولي الادعاء في قضيتهم مفتش شرطة في مستوى كيساسي.
ولنا في ضوء كل هذه الملابسات أن نحكم على هشاشة معيار التحقيق الذي تم تطبيقه، ناهيك عن طريقة عرض القضية أمام المحكمة. فحتى المقيم البريطاني جورج مورينج ذهل من إخلاء المحكمة سبيل المتهمين بالجملة. وقال لي: "لقد طلبت ملف خدمة كبير القضاة بالنيابة لأرى ما إذا كان فيه ما يشير إلي تورطه بتسييس عمله القضائي بوظيفته السابقة في سيشل. ولو أنني تبينت وقوعه في شيء من هذا القبيل، لأبلغته للسلطات. ولكنني وجدت ملف خدمته نظيفا.
وعلي أي حال فإن القاضي لا يستطيع أن يحق الحق بأي درجة تذكر، فيما لو عرضت عليه القضية علي نحو هزيل، ودون ادعاء وتحقيق جادين. فهو لا يستطيع أن يحكم إلا في ضوء الأدلة والبينة المقدمة له. إلا أن الشئ الوحيد المؤكد أنه لو كان بين القتلي مواطن أو مواطنين بريطانيين، لجاء فريق من كبار ضباط التحريات بشرطة سكوتلاند يارد للتحقيق في القضية ولتوفر الدليل المادي المحدد بصرف النظر عن وجود شهود
عيان أم لا، ولتولي الادعاء المدعي العام بنفسه مع إمداده بالمزيد من العون القضائي من بريطانيا.
ويومها نطق سير جورج مورينج بنبوعته المشؤومة قائلا: لن ترى زنجبار السلام بعد اليوم". ولم يكن الأمر يحتاج إلي نبوءة متنبئ علي أن مستقبلا مظلما ينتظرها. ومثل تأسيس منظمة عنصرية بما لا يحتمل أي لبس في ذات اليوم للمنافسة في انتخابات تجري علي أساس غير عرقي، نهاية السلام والوئام في زنجبار. فلقد كان حزب الإفروشيرازي لعنة من يوم مولده. وبعد استعادة الأمن، تم تشكيل لجنة لتقصي الحقائق، جاء حكمها هو التبرئة بالزور والبهتان للجميع من المسؤولية عن تلك المجازر، فضلا عن نسبة السبب في الاضطرابات إلي ما أسمته
"الملاسنات ".
وقالت اللجنة أن الحزب الوطني الزنجباري استخدم الدين في حملته الانتخابية، ووظف حزب الإفروشيرازي العرق فيها. وعلي فرض استخدام الدين في أوساط شعب أكثر من تسعين في المائة منه أتباع دين واحد، فإن ذلك لا يمكن باليقين أن يكون سببا في نشوب خصومة خطيرة بينهم، بل سيكون عامل توحيد لصفهم. أما العنصرية العرقية فيمكن بالقطع أن تكون سببا للشقاق في بلد به مجموعات عرقية كبيرة وعديدة.
ولم تعر تلك اللجنة بالا لدلالة كون الضحايا جميعا من طرف واحد، علي أن مسؤولية تلك المذابح تقع بالمطلق علي كاهل حزب الإفروشيرازي الذي ينطق اسمه ذاته بعنصريته. فمن المستحيل منطقيا أن يكون الحزب الوطني وحزب الشعب
393
392