الصراعات والوئام في زنجبار
الجزء ١ · صفحة ٢٠٣الشرطة. لم نتمكن من الاتصال بأي من هؤلاء الضباط الموثوق بهم. فلقد كانوا جميعا خارج المدينة.
وبدأ الشك يتسلل إلي عقولنا، في احتمال أن يكون التقرير الذي تلقاه رئيس الوزراء مجرد خدعة. فإشاعة حدوث أعمال شغب وشيكة باتت منتشرة في كل مكان. فكيف يمكن أن يختار كل أولئك الضباط الكبار الذين وضعنا فيهم كل ثقتنا، ليس بسبب ولائهم فحسب بل بسبب كفاءتهم الثابتة، أخذ أجازة في تلك المناسبة الخاصة للترويح عن أنفسهم في نجوع الريف؟ ألـ يسمعوا بتلك الإشاعة؟ بل كيف يمكن تصور أن مثل هذا الخبر لم يأتنا من بادئ الأمر من أولئك الذين من واجبهم جمع المعلومات الاستخبارية، أي من أجهزة الشرطة عامة، وفرع التحريات الخاص بالذات، وكذا من الإدارة المحلية التي كانت في هذه اللحظة من أدناها إلى قمتها في أيدي زنجباريين لا مبرر لدينا علي الإطلاق للشك في ولائهم؟ فهم بمقتضى مناصبهم مسؤولون عن أن يعرفوا، وأن يجمعوا معلومات استخباراتية ويرسلوا تقارير بشأن كل تلك المسائل إلى الوزراء المعنيين، أي في هذه الحالة إلي رئيس الوزراء ووزير الداخلية، ويوصوا بالإجراءات الواجب اتخاذها.
ولكن لا أحد من قوات الشرطة، ولا من موظفي الإدارة المحلية قام بواجبه. وعلي العكس عرف الوزراء بأعمال الشغب المحتملة بشكل غير رسمي. وبات عليهم هم أن ينقلوا تلك المعلومات إلي من كان من واجبهم أن يجمعوها ويبلغوها هم لهم. وهكذا بات الوزراء الذين لا يختلفون بالطبع عن المواطن العادي فيما يتعلق بالمسائل الأمنية، يعطون التعليمات دون أية مشورة من مرؤسيهم رجالب
ومستشاريهم المحترفين الذين يتقاضون رواتب. لم أصادف في حياتي موقفا هزليا إلي هذا الحد وهو موقف يدعو للسخرية لولا أنه كان مأسويا إلي أبلغ حد.
وأيا كان نصوص الوثائق والقوانين، فإن حقيقة الواقع تؤكد أن مسؤولية ماحدث تقع علي كاهل المسؤولين البريطانيين والحكومة البريطانية في المقام الأول. فلقد كانت زنجبار خاضعة لحكـ بريطاني مباشر من عام 1890 حتى التاسع من ديسمبر 1963. أليست فضيحة دولية أن يتعرض هذا البلد بعد شهر واحد من (الرحيل البريطاني الصوري بعد أربع وسبعين سنة من الحكم البريطاني؟
أقول (الرحيل الصوري (عن عمد، لأن حقيقة الواقع أن كل من رئيس جهاز الشرطة، وكذا رئيس الفرع الخاص الذي هو بمثابة جهاز المخابرات ورئيس مصلحة السجون، ورئيس قوات الشرطة السيارة التي هي بمثابة شرطة عسكرية، كانوا لا يزالون بريطانيين. وبالإضافة إلى ذلك كان هناك عدد من كبار الضباط البريطانيين في جهاز الشرطة.
ووفق الخطوات الدستورية المعمول بها، فإن ساحة الأمن والدفاع كانت حرما لا تطأه غير أقدام البيض حتى يوم استقلال، زنجبار قبل تلك الكارثة بشهر واحد. وظلت ساحتي الأمن والدفاع، حتى بعد ذلك اليوم، مقصورة علي الموظفين البريطانيين. نعم كان من المفترض بحكم الدستور والقانون أنهم يتلقون الأوامر من الوزراء المنتخبين. ولكن هل كان هذا هو ما يحدث في أرض الواقع؟
403
402