الصراعات والوئام في زنجبار: ذكريات علي بن محسن البرواني

الصراعات والوئام في زنجبار

الجزء ١ · صفحة ٢٠٩

وأيسر شئ في هذه الحياة الدنيا، أن يكون المرء حكيما بعد وقوع الحدث. هنا تطرح الأسئلة: لماذا لم يفعلوا كذا أو كذا؟ ومن هذا القبيل قول ناقد زنجباري وهو متكئ علي أريكته في مصر بعيدا عن الميدان: لو كنت في زنجبار لسحقت الثورة". بل إن بعض أصحاب العقول تفوهوا بمزاعم من نسج خيالهم. زعم واحد أو اثنان أنهما حذرانى من ثورة وشيكة، وادعيا أنني قلت لهما: "كيف يقلبون الحكومة؟ إنها ليس كوب شاي ". وكرر آخرون نفس المزاعم، ولكن مع نسبتها إلي وزير آخر، فمنهم من نسبها إلى جمعه علاي، ومنهم من نسبها إلي باعلوي، ومنهم من نسبها إلـ

إبوني صالح.

ونسج خيال آخرين تهمة أغرب وأخطر ضدي، زاعمين أنني تواطأت مع كارومي من أجل الإطاحة بالسلطان رغبة مني في

الثأر لموت أحد جدودي، سجنه سلطان سابق، ومات بالسجن.

بل لم نعدم شخصا لا يستحي أن يقول أنه كان شاهد عيان في راحاليو يوم 13 يناير 1964، وأن كارومي عرض علي منصبا

وزاريا مكافأة لي علي التواطؤ مع المتمردين، ولكنني رفضـ مصرًا علي تولي منصب الرئيس". ويزعم هذا "المحترم" أنه ناشدني قبول الوزارة ووقف المجزرة الجارية، ولكنني رفضت. وهذا وفق ما يزعم هذا الكذاب الأشر هو السبب في الزج بي في

السجن.

ومن المهم هنا الإشارة إلي أن ذلك الشخص لم يتفوه بتلك الفرية، إلا بعد مرور ثلاثين سنة. وحقيقة الأمر، أن هذا الإنسان عديم الحياء لم يكن موجودا في راحاليو بالمرة حين استسلمنا نحن الوزراء لكارومي وعصابته وهو لم يكن حاضرا لاستحالة وجود

المرء في مكانين في آن واحد. كان ذاك الآدمي في بيمبا، ولم يأتي إلي زنجبار إلا بعد ذلك بعدة أسابيع مكبلا بالسلاسل في سفينة حكومية.

ولم أكن وحدي في راحاليو. فحين وصلت وجدت أمير علي عبد الرسول وكيل الوزارة قد وصل من قبل. وبعد قليل جاء بقية الوزراء باستثناء راشد حمادي الذي كان في بيمبا. فلماذا ينسج هذا الرجل بالذات بعد ثلاثين سنة من الصمت تلك الحكاية الملفقة التي لا أساس لها ولا يصدقها عاقل الزاعمة بأن كرومي عرض علي منصبا وزاريا جزاء دوري المزعوم في التمرد؟ السبب بسيط وواضح. قبل عام 1964 كان ذلك الرجل من أنصار الحزب الوطني الملتزمين. وكنت خلال زيارتي لبيمبا أنزل عليه ضيفا بمنزله أحيانا. وكانت له لأسباب عائلية خاصة، علاقة وثيقة مع الفصيل اليساري من الحزب الوطني. وحينما انشق ذلك الفصيل عن الحزب، بات أمام معضلة. إن هو لحق بهم، فإن ظاهره المحترم سيتضرر، كما ستتأثر مشاريع أعماله بالسلب. فآثر الرجل أن يبقى بجسده في الحزب، وقلبه مع رفاقه القدامى الذين اعتاد التآمر معهم تحت جناح الظلام. وساعدته الثورة علي الخروج من معضلته. أيد المنتصرين صراحة. ونمت مشاريع أعماله بسرعة منقطعة النظير. وأقام علاقات قوية مع الحكومة عبر رفاقه الاشتراكيين. ولم تكن له من أيديولوجية سياسية، غير أيديولوجية تحقيق الثراء الذاتي بكل السبل، بعد أن كان راضيا علي مدى سنوات قبل الثورة بكسب الرزق الطيب الذي يسد به متطلبات الحياة، عبر العمل الجاد.

415

414