الصراعات والوئام في زنجبار
الجزء ١ · صفحة ٢١بوعظ السجين المظلوم بالصبر عن وعظ السجان الجلاد بالكف عن الظلم.
وعلى إثر تفنيد تلك الأوهام، ينتقل المؤلف بنا إلى المفصل السادس المعني بالتعليم والتعلم، مبينا أن مكانهما ليس هو المدرسة فحسب بل الحياة فهو معلم متعلم رفيع في السجن ينفتح على دراسة الأديان المقارنة، ويجلي للقلة غير المسلمة من النزلاء عبقرية الإسلام وتهافت الخطاب الكنسي، ويفاصل بينه وبين حقيقة الكتاب المقدس. وعلى يديه، وبالنموذج العملي قبل الكلمة يهتدي عشرات الأشخاص إلى الإسلام، ويعود كثيرون عن الغي إلى بحبوحة الصواب والاستقامة الإسلامية، ويتم ترتيب أسباب محاكمات عادلة لأناس تثبت من كونهم ضحايا مثله
ومظلومين.
ومن بين ما تعلمه المؤلف ويعلمه لنا ضرورة وضع جمعيات حقوق الإنسان العاملة بالداخل والخارج في حجمها الصحيح. فهي مع كل الهالة الدعائية المنسوجة حولها، تعمل بنوع من التوافق مع الحكومات حين يتعلق الأمر بناشطين مسلمين، ولا الأرض وتقعدها إلا بالنسبة لغير المسلمين، وبتنسيق ملحوظ مع حكومات غربية، وهي إلى النفعية السياسية أقرب منها إلى الإلتزام الأخلاقي الإنساني.
تقيم
ومن بين ما علمه المؤلف، وما يحذرنا من مغبته، أننا أصبحنا أمة تفرط كثيرا في آثارها ورموزها. فأين صاع المدينة ومكيالها وميزانها؟ وأين شجرات العائلات التي هي مفتاح معرفة الأرحام وصلة الرحم؟ وأين توثيقنا لتاريخنا، لا على أنه تاريخ حكومات،
بل على أنه تاريخ أمة ومجتمع وبشر منتشرون في كل أرجاء المعمورة لهم بصمتهم وإنجازاتهم في كل مجالات الحياة؟
ويضع المؤلف أيدينا هنا على حقيقة أن من أخطر ما نفتقده كتربويين بمؤسسات التربية والتعليم المعاصرة من الحضانة إلى الجامعة هو غياب أو على الأقل ضبابية ووهن - الرباعية الذهبية التالية: اعتماد التدريس على خطة مدروسة وسلسلة منهجية محددة (والذي أدى في النموذج الذي عايشه المؤلف، إلى تمكن الدارسين من إتقان اللغة الإنجليزية بدرجة أكبر من إتقانهم اللغة العربية لاعتماد طريقة تدريس الأخيرة على جهد المدرس وتخطيطه على عكس الأولى)، وغياب نموذج الطالب النابه الذي تحتفظ ذاكرته بأسماء كل أساتذته، ويمتلك الوعي بتقييم عميق لهم على شاكلة نموذج المؤلف هنا، وغياب الهيئة العلمية المحتسبة الله المتنافسة في الإحسان العلمي، على شاكلة أساتذته، وغياب نوعية الخريج المؤهل لمواصلة التعلم والتعليم بعد تخرجه في الجامعة.
ورغم الضجيج العالي الراهن لما يسمى ببرامج الجودة والاعتماد وتقييم الطلبة للأستاذ والأستاذ للطلبة وفق معايير موضوعية وتوصيف مقررات فروع المعرفة الإنسانية والاجتماعية، وفق معايير قابلة للقياس العلمي التي غطى حديثها الآن على كل حديث غيره، فإنني أقول من موقع الشهادة والمسؤولية، أنها تمثل مكاء وتصدية، وهراء وافدا تطغى المعايير الشكلية فيه على الجوهر، وتغلب عليه سمة المحاكاة لخارج مغاير لبيئتنا، ويعمق تبعيتنا للغير على حساب بصمتنا الحضارية وتنقسم الجماعة العلمية في مواجهته بين منتفعين يركبون، موجته، وبين مجاهرين
39
38