الصراعات والوئام في زنجبار: ذكريات علي بن محسن البرواني

الصراعات والوئام في زنجبار

الجزء ١ · صفحة ٢٢

بالتحذير من مغبته على عقول النشئ في حاضر أمتنا ومستقبلها وبين منصاعين له فى الظاهر دون الباطن، ممتثلين لشكلياته غير متمثلين لجوهره مفضلين المقاومة الكامنة على السافرة. وشتان بينه وبين النموذج النابع الأصيل المطروح علينا في هذه الدراسة.

إلا أن قمة العبرة والخبرة التي تدعونا هذه الدراسة إلى تعلمها وتعليمها، أنه لا خسارة في هذه الحياة تعادل المساس بهويتنا الدينية، ولا مكسب فيها يضاهي الحفاظ عليها. ويفسح المؤلف صفحات طوال لتجلية هذه المسألة عبر تجربة عملية، يورد شهادة صاحبتها بنصها، لا بتعقيبه عليها، تتعلق بسرقة تاجر غربي لهوية فتاة عربية تنتمي للأسرة الزنجبارية المالكة. ومع أن عملية سرقة الهوية فجة في هذه الحالة فإنها ليست فريدة من نوعها. فكثير من أبناء أمتنا سرقت هويتهم، وتحولوا إلى صورة ممسوخة وتقطعت بهم السبل على نحو لم يصيروا فيه غربيين، ولم يبقوا معه شرقيين.

وربما يكون الفرق المهم في هذا السياق أن صاحبة هذه التجربة اندفعت بمرارتها إلى تحذير من وراءها، رغم حقيقة أنها بعنادها لم تشمر عن ساعديها لإنقاذ نفسها، في حين أن كثيرين غيرها ممن صرعتهم الأيدلوجيات السياسية التي ولدت في الغرب واتخذوها دينا لهم صبروا على الترويج لها حتى بعد أن بارت لدى أصحابها الأصليين، وعكفوا على الضلالة، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، وأنهم يمثلون التقدم، ومن يخالفهم يمثل الرجعية

والتخلف.

وهنا وعلى هذا المفصل المعرفي، يقف القارئ أمام سيدة فقدت بمجرد السلب الظاهري لهويتها العربية الإسلامية كل شئ. فكيف بمن يفقد هويته تلك شكلا ومضمونا؟ فقط نجح من احتال على هوية تلك الفتاة فى جعلها محسوبة على المسيحية. ورغم محاولتها التدثر بالجهل وخلطها بين المثابرة والعناد، فإنها تهدي إلينا بفصاحة خلاصة درسها مع الغرب المسيحي في خمس، وصايا، يعقب عليها المؤلف بتوصية واحدة من وحيها. الوصية الأولى أنه لا شئ في الحياة يعوض المرء عن فقدان هويته الإسلامية. والوصية الثانية أنه لا شئ يمتلك سلطانا على ضمائرنا أكثر من ديننا.

والوصية الثالثة أن المسيحية ديانة هانت على أهلها وهمشوها. ولا خطر جدي فيها على الإسلام. ففاقد الشئ لا يعطيه. والوصية الرابعة أن وضعية المرأة في الغرب بريق بلا مضمون. فلا وجه للمقارنة ولا للمقاربة بين كرامة المرأة في الشرق الإسلامي وهوانها في الغرب. فهي في الشرق الإسلامي موضع رعاية الدين ذاته. والمسلم مستحضر للمعية الإلهية في التعامل معها. ومعايير التعامل معها أرقى من أي نظير لها في الغرب. وفي مقابل قلة تسئ إلى المرأة في العالم الإسلامي، توجد قلة تحسن معاملة المرأة في الغرب. وشاغل الغرب الحديث الأول، ليس كرامة، المرأة، بل توظيفها في خدمة مشروعه الاستعماري والتجاري، على نحو لا يحرمها من أنوثتها فحسب، بل يجردها

من إنسانيتها كذلك.

41

40