الصراعات والوئام في زنجبار: ذكريات علي بن محسن البرواني

الصراعات والوئام في زنجبار

الجزء ١ · صفحة ٢١١

ولهذا السبب فإن حفل الاستقلال في حي كوبر لم يشهد إنزالا للعلم البريطاني. فذاك العلم لم يرفرف أبدا إلا علي منزل المقيم البريطاني. بل من الأمور ذات الدلالة أن مسمى المقيم البريطاني بالسواحيلية، كان هو: السفير. ومعروف أن المندوب الاستعماري كان يسمى في المستعمرات والأقاليم الخاضعة للإنتداب: الحاكم. ولم يكن الأمر علي تلك الشاكلة في زنجبار. ففي كل الوثائق الرسمية كانت زنجبار تكتب: دولة زنجبار.

ومن الطبيعي، أن كل سلطان لزنجبار كان يشاطر شعبه عدم الارتياح تجاه حكم دولة أجنبية وهيمنتها علي البلاد. ومن بين أولئك السلاطين من كبح استياءه وراء ابتسامة مهذبة وكياسة

شكلية ظاهرية، فسمحت له السلطات الاستعمارية بالعيش فـ ــلام حتى قضى نحبه ومنهم من منع من الحصول على حقه بالوراثة، كما حدث للسيد خالد بن برغش ومنهم من خلع من منصبه مثل السيد علي بن حمود، ومنهم من أطيح به بغزو مخطط تم في قناع ثورة، كما جرى للسيد جمشيد. وهؤلاء السلاطين الثلاثة الشبان الأعزاء علي قلوب شعبهم، لم يكونوا سلسين بما يكفي لعدم الصدام مع المستعمر علي الدوام. وكشف السيد جمشيد مبكرا عن مشاطرته لشعبه في المشاعر الوطنية.

عاشرا: تنصيب السيد جمشيد

أبلغتني قرينتي، لدى عودتي ذات ليلة من زيارة للريف، أن المقيم البريطاني جورج مورينج، يريد أن أذهب إليه بمجرد عودتي. وحين وصلت صدمت بنبأ مفاده أن الحالة الصحية لمعالي السلطان السيد عبد الله بن خليفه تدهورت بدرجة خطيرة. كنت أعلم أنه مريض، ويشكو من ألم في رجليه، ولكنني لم أكن أعلم

أن حالته بهذه الدرجة من السوء. وجدته يعاني من غرغرينة ناتجة عن مرض السكر المزمن. وعلمت أن طبيبا بريطانيا زاره بالفعل

ولا مناص من بتر كلتا رجليه وقال لي مورينج: "إن السلطان قد يقضي نحبه أثناء عملية البتر. فماذا عن الخلافة من

سيخلفه؟ "

أدهشني كلامه فلم يدر بخلدي أبدا أن مثل هذا السؤال يحتمل أكثر من إجابة. أجبته علي الفور بحسم: "السيد جمشيد بالطبع فهو الوريث الشرعي. هو الإبن الأكبر". سألني: "ولكن هل تريدونه؟ ".

12

أجبت: "المسألة ليست مسألة أننا نريده أو لا نريده. وعلي أي حال، فإننا نريده ولا نرضى بسواه. استسلم مورينج قائلا: "حسنا". ثم قال أننا بحاجة صبيحة اليوم التالي للحصول علي موافقة أبناء السلطان الثلاثة علي البتر قبل إجراء العملية. وتم تحصيل تلك الموافقات المطلوبة بمنزل الدكتور باترون مدير الخدمات الطبية، بحضور السيد جمشيد وأخويه السيد محمد والسيد حارب، والشيخ محمد شامتي الوزير الأول آنئذ، والدكتور با علوي وزير الصحة، وأنا معهم. ومن المصادفات أن هذا المنزل نفسه كان في وقت من الأوقات هو مقر القنصلية الألمانية، الذي لجأ إليها السيد خالد حين اضطر تحت قصف الوحدات البحرية

البريطانية، إلي الخروج من بيت العجائب.

لم يفارق السيد عبد الله الحياة أثناء تلك العملية القاسية، ولكنه لم يتعافي من مضاعفاتها. وأكد لنا الجراح البريطاني أن الألم الذي كان في رجليه لا يطاق، ولكن السلطان كان رجلا شجاعا،

419

418