الصراعات والوئام في زنجبار
الجزء ١ · صفحة ٢٣وتفضح صاحبة التجربة هنا مسعى على مستوى الإمبراطور
الألمـ اني نفسه، لتوظيفها في عملية استعمار بالإكراه بالقوة بذريعة الحصول على ميراثها من سلطنة أخيها، مصحوبة بتجريدها من كل اعتبار بعد العثور على مدخل آخر لتحقيق ذلك الهدف بدونها.
والوصية الخامسة هي دعوتنا إلى الوعي بأن الرق في المشرق الإسلامي كان له وجه إنساني، وضوابط يفرضها الدين والعرف والتقاليد المستقرة، يأكل المولى في ظلها مما يأكل سيده، ويلبس مما يلبس ويصل مدى المجاملة بينهما إلى حد مشاركة السلطان نفسه في أفراح مواليه. أما في الغرب، فإن الرق كان صناعة الاستعمار. وعنه نافح الغرب بكل السبل، وكان أول الواقعين فيه وآخر القابلين للتخلي عنه بأشكاله القديمة، مع استحداث صنوف منه أبشع عنصرية من سابقتها. والكيفية التي نشت بها مجتمعات ما يسمى العالم الجديد، وأنهار الدم التي تسيل والخرائب والدمار المادي والأخلاقي والنفسي الذي تخلفه، حروب
يسعرها الغرب في كل مكان، شاهد لا يزال حيا على ذلك.
ويظل بيت القصيد الذي تنبهنا إليه تلك الفتاة العربية الزنجبارية التي غرر الغرب بها، وفشل في أن يحصل منها على غير ظاهرها، من أنه بات يمثل مصنعا كبيرا لنوعين من أبشع صور الرق التي عرفتها البشرية.
أما النوع الأول فهو دوره في انقسام البشر داخله إلى فريقين: أثرياء إلى حد التخمة، وفقراء إلى حد العدم. وتصب في معين هذا الرق الفجوة التي تحرص السياسات الغربية على استدامتها وعلى اتساعها بين الشمال والجنوب.
وأما النوع الثاني فهو الذي تصطنعه آلة الحرب الغربية المعاصرة. فالغرب يتفنن في إنتاج أدوات الفتك بكل ما على وجه البسيطة بما فيها الإنسان والإكراه والقهر بالقوة الناعمة والخشنة الممارس على الشعوب بتلك القوات لون من الرق الجماعي. وعملية تزييف صورة الآخر واصطناع العدو، وتصوير أهداف الحرب على غير حقيقتها، التي يتعرض لها جنود تلك الجيوش الغربية، فضلا عن إكراههم، نمط جديد بشع من الرق. ولا بأس أن نلمح هنا إلى ما ذكره نعوم تشومسكي من أن مجمع الأمن الأمريكي يتخذ من الجنود الأمريكيين أنفسهم، وليس من الأمم الأخرى فحسب، حقل تجارب لأسلحته الفتاكة الجديدة.
القومي
أما الوصية السادسة التي يستخلصها المؤلف من عبرة تلك التجربة، فهى أن الخارج المسيحي الاستعماري كان ولايزال يمارس لعبة يسميها: العبث الدبلوماسي بالنخب الحاكمة أو الساعية إلى السلطة في عالمنا الإسلامي. ويتصدر أدوات هذا: العبث تهميش البعد الأخلاقي لصالح الانتهازية السياسية، تحت عناوين، براقة مثل: التعددية السياسية والحزبية والديموقراطية والإصلاح الليبرالي. ويبحث الاستعماريون الغربيون القدامى والجدد والدائرون في فلكهم عن اختراق أمتنا عن طريق من تراودهم أطماع شخصية غير مسؤولة على حساب أمتهم. وبصناعة الفوارق والتعارض المختلق يتسلل المستعمر الجديد كالقديم تماما، ويحول كل من يتعاون معه عن قصد أو عن غير وعى إلى نفاية بمجرد انتهاء الدور المراد منه تأديته. ويؤكد المؤلف هنا على أهمية التنشئة على الشك في أخلاقيات المستعمر، واستلهام نماذج للقدوة من عظماء أمتنا.
43
42