الصراعات والوئام في زنجبار: ذكريات علي بن محسن البرواني

الصراعات والوئام في زنجبار

الجزء ١ · صفحة ٢٢٣

وفضلا عن الركائز الإقتصادية الثلاثة التي أرساها ريتشارد، رانكين تلقت زنجبار مساهمات جديرة بالثناء من مقيمين بريطانيين آخرين علي الأقل ممن عرفتهم في حياتي. فلقد كان لدى "السير" كلود هوليس" ولع لا يقاوم ببناء الطرق، بز فيه الرومانيين القدامي. ولم يكن الأعضاء المعينون في المجالس التشريعية العتيقة، يفكرون في شئ يروق لشعبهم أكثر من المطالبة بإنشاء طرق. فالطرق تفتح آفاقا ومناطق أمام التجارة والحضارة وتيسر انتقال البشر والسلع والتعليم والرعاية الصحية. وهي شبيهة بالشرايين في جسد الإنسان. ومن ثم فلا عجب أن الباجندا (سلاطين أوغندا) يسمون طرقهم الترابية التقليدية "زينة

البلاد".

وبفضل الجهود التي بذلها "هوليس" نشرت مجلة إيست أفريكا ستاندارد" مقالة أشارت فيها إلي زنجبار علي أنها البلد" الذي به أفضل منظومة طرق في الإمبراطورية الاستعمارية بكاملها، باستثناء ترينداد. ولكن هذا الإستثناء غير منصف لأن ترينداد مصدر الطرق". ومعنى الإشارة الأخيرة، أن ترينداد من المنتجين الأساسيين للأسفلت".

المقيم البريطاني الثالث الذي لا يمكن غض البصر عن مساهمته في ازدهار، زنجبار، ولا تجاهلها، فهو سير جورج مورينج آخر من شغلوا هذا المنصب. جاء إلي بلادنا من نيجيريا، حيث كان حاكما عاما لها، وتركها وهي قاب قوسين أو أدنى من الإستقلال. ودار في خلد بعضنا حين ترامى إلي مسامعنا نباً تعيينه مقيما بريطانيا ببلادنا، أن ذلك مؤشر ضمني علي أنه اختير بالذات ليعد زنجبار للإستقلال. وشعرنا أن

بريطانيا نوت انهاء الحماية. وحين وصل إلى بلادنا كنت كالعادة بالخارج. طلب مقابلتي بمجرد عودتي. وكان اجتماعنا بالغ الأهمية. وساد بيننا إحساس بالاحترام والتفاهم المتبادل. وأحسست براحة واستئناس به لم أشعر بهما قط مع أي من

أسلافه.

قال لي: "أود أن تقوم العلاقات بيننا علي الصراحة التامة، لا أن تكون علاقة بين ممثل قوة إمبريالية يتحادث مع ممثل حزب سياسي مناهض للإستعمار. فأنا جورج مورينج، وأنت علي محسن، وحسب. تحدث معي بتلك الصفة وسأرد بالمثل. سأكون صريحا معك شريطة أن تكون صريحا معى والشئ الوحيد الذي أريده أن لا ينقل عني كلام علي وجهه، أو محرفا في مؤتمرات شعبية. فأنا لا يهمنى ما أناقشه هنا معك ومع رفاقك الموثوق بهم والمسؤولين، الذين يحافظون علي سرية ما قيل لهم. أقول لك ذلك لأنه في الفترة القصيرة التي مضت منذ شغلي لمنصبي هنا، نقل البعض عني أقوالا محرفة في مؤتمرات شعبية. تتعلق بأمور بحثتها معهم بصفة سرية. "

بهذا بدأ اجتماعنا الأول الذي حددنا فيه شاكلة التعاملات المستقبلية بيننا، التي كانت علي الرغم من تباين موقفينا صريحة ومؤسسة علي الاحترام المتبادل. وكان جورج مورينج فريدا بين من شغلوا هذا المنصب ووجدت فيه أنا ورفاقي رجلا قادرا علي احترام وجهة النظر المعادية للإستعمار. قال لي في أول اجتماع بيننا أنه لا يستريح لما رآه في زنجبار من وجود طبقة من المسؤولين البيض تجعله لا يحتك بشكل مباشر مع موظفي الحكومة من غير البيض. فلقد اعتاد علي التعامل مع النيجيريين

443

442