الصراعات والوئام في زنجبار: ذكريات علي بن محسن البرواني

الصراعات والوئام في زنجبار

الجزء ١ · صفحة ٢٢٦

مالكها ورئيس تحريرها. وظهرت صحيفة سواحيلية أخرى تسمى ما بامبازوكو (الفجر) تولي السيد سيف مابوستي رئاسة تحريرها. وكان من المفترض من الناحية الرسمية الشكلية أن تكون مجرد طبعة سواحيلية من صحيفة الفلق التي كانت تصدرها الجمعية العربية باللغتين الإنجليزية والعربية. أما في الواقع، فإن صحيفة الفجر كانت مستقلة وأكثر واقعية وذات نهج شبابي. ولم تعمر تلك الصحيفة هي الأخرى طويلا.

وأحسسنا بوجود فراغ تم سده بدرجة كافية في أوائل الأربعينيات بصحيفة المرشد، والتي كان يمتلكها صديقان مسعود محمد الريامي، وأحمد سيف الخروصي. الأول مديرها، والثاني رئيس تحريرها. واقترح علي أحمد سيف الخروصي حين قابلته المساهمة بمقالات حول الزراعة حيث كنت أعمل آنئذ بوظيفة اخصائي زراعي مساعد. ولم يكن يعرف بعد توجهي السياسي. ارتحت بشدة لفكرة ظهور صحيفة تدعوني من بدايتها إلي الكتابة فيها إلا أن تعليم الزراعة عبر الصحافة لم يكن هو ما يشغل بالي كنت أغلي من داخلي وأنا أرى بلا حول ولا قوة هشاشة النظام الاجتماعي السياسي في البلاد برمته. وهاهي الفرصة تأتيني مطلوبا لا طالبا، للتعبير عن وجهة نظري بالصحافة فيما اعتبره أهم قضايا الساعة. وكنت أراقب من طفولتي مثالب شعبي إلي أعراق وطوائف ومذاهب، منتهكة للقواسم

المشتركة الرئيسة التي توحدهم علي ما بينهم من فروق ظاهرية.

رابعا: الصراعات والوئام

افتتنت لفترة يسيرة في بداية التحاقي بالكلية في ماكيريري بأيديولوجية القومية السوداء كما يطرحها ماركوس جارفي.

واعتادت ثلة منا علي قراءة أدبه المناهض للبيض بنهم. إلا أنني سرعان ما هجرت هذا الضرب من العنصرية. وساعدني علي ذلك أمران: نشأتي الدينية، والنهج العلمي الذي اكتسبته فـ

ماكيريري.

وبالإضافة إلي ذلك، كان كل أعضاء هيئة التدريس بالكلية عدا اثنين بيض وبريطانيين، مما ساعدني بدرجة أكبر علي التخلص من أية بقايا عداء ضد أي إنسان بسبب لونه.

وأقمت صداقات حميمة ليس مع عدد من زملائي الأفارقة وحسب، بل مع بعض أساتذتي كذلك. وكنت أقضي العصاري، ما لم يكن لدى ارتباط آخر، إما مع هانكوك محاضر علم الأحياء، نتسكع في حديقة النباتات الصغيرة التي كنت أنا وهو مغرمين برعايتها، والتنقيب عنها، وغرسها، ووضع علامات علي كل الأشجار الكائنة علي التل. وإما أقضيها مع ليي محاضر اللغة الإنجليزية الذي قطفت منه بعض الروائع الأدبية، ونحن نتجاذب أطراف الحديث في محيط ماكيريري.

وكان رئيس الجامعة جورج تيرنر يعتز بالزنجباريين، ويحترم ثقافتنا وخلفيتنا الاجتماعية. ورغم أنه كان مسيحيا ملتزما، وابن أسقف، فإنه لم يكن متسامحا تجاه الإسلام فحسب بل كان موقرا له. وأذكر قوله بكل إخلاص ذات مرة في احتفالية أقمناها بمناسبة المولد النبوي: "إنها الحقيقة والحقيقة لابد أن تقال، أن نبيكم بين لكم أكمل طريق إلي الله"

و دعاني مستر تيرنر ذات مرة أنا وزميلي علي خميس علي العشاء. اعتذرنا له في ذاك التوقيت، لأننا كنا في شهر رمضان.

449

448