الصراعات والوئام في زنجبار: ذكريات علي بن محسن البرواني

الصراعات والوئام في زنجبار

الجزء ١ · صفحة ٢٢٧

ثم قلنا له فيما بعد أننا نود تلبية دعوته. وقد كان وأثناء تناولنا العشاء قال لنا: "أنتم لستم مسلمين أتقياء. فأنتم لم تتبعوا رمضان بست من شوال سائقي جمعة مسلم تقي. وهو صائم". قلنا له إن صيام ست من شوال ليس فريضة، بل سنّة. أجاب: هذا بالضبط هو السبب في أنني قلت أنكم لستم مسلمين أتقياء. أنتم مسلمون وحسب. فالتقي يذهب في العبادة إلي ما هو فوق الفريضة". وكان هذا درسا لن أنساه.

C

ولما كبرت عينت ممثلا لزنجبار بمجلس محافظي جامعة ماكبريري. وتصادف أن كنت الوحيد ممن درسوا بها من قبل بين أعضاء ذلك المجلس. وهناك تعرفت على محاضر رياضيات توسمت فيه أنه شخص يألف ويؤلف. . أحسست بشئ ما في شخصيته جذبني إليه. كان لونه يميل إلي البياض، ويبدو خجولا،

واسمه كابازا.

أثار اسمه شيئا في ذهني. تبينت لاحقا أنه يهودي عراقي، واسمه الأصلي بالعربية خباز. قال لي أنه كان طالبا في كامبريدج حين أقيمت دولة إسرائيل. وبعد تخرجه في تلك الجامعة لم يستطع العودة إلي العراق بسبب المشاعر المعادية لليهود الناجمة عن نشأة إسرائيل، وهو لا يحب الذهاب إلي إسرائيل التي يشعر بأنه لا رابطة تربطه بها وحينما طرح إعلان عن وظيفة محاضر رياضيات انتهز الفرصة واختار المجئ إلي ماكيريري. تعاطفت

معه. فهل كان ذلك إرهاصا بما سيحل بي في السنوات القادمة؟

نقطة الضعف في أنني حين أتحدث مع شخص، وأنظر في وجهه، أضع نفسي في مكانه وأراه مرآة ينعكس فيها كياني كله: لوني وعرقي ومشاعري. نسيت أننا شخصيتان مختلفتان. إلا أن

الموقف يتغير حين يصير بين البشر صراع صريح. أما في غير تلك الحالة فيغيب بالمطلق وعيي بأية فروق بيننا. وهذا هو ما دفعني إلي دعوة كبازا أو خباز لزيارة زنجبار، والإقامة معي بمنزلي خلال الأجازة. ربما كانت تجول بخاطري هاجس الرغبة في اكتشاف اليهودي الخبيث المتخفي بداخله.

دي

وربما كان هذا هو ذات المنطق الذي من أجله أراد الأستاذ بنسين رئيس ماكيريري آنئذ أن يجعلني أقيم معه خلال فترة اجتماع المجلس. إلا أن دي بنسين بعد أقامتي معه ثلاثة أيام قال لي: "اكتشفت أنكم – الزنجبارين – مختلفين عن غيركم من الأفارقة. أنتم مثلنا تماما". لم أتأكد هل كان هذا القول ثناء علينا، ولكنه كان من الواضح أن هذا هو ما يعنيه. فلقد أضاف قوله: "اعتقد أن السبب أنكم لكم تاريخ.

نا

وسمعت كلاما مماثلا من كثيرين في مناطق عديدة من المعمورة. ومن واقع خبرتي الخاصة، فإن ما يسمى بالفوارق بين البشر هو أمر ظاهري وسطحي بكل ما تتضمنه الكلمة من معنى. فثمة سمات داخلية مشتركة تجمع بين كل البشر. أما الفروق فهـ ظاهرية ومبالغ فيها عن عمد لأغراض خفية أحيانا. كنت في طريقي، في مارس 1958 لحضور احتفال غانا بالذكرى السنوية الأولى للإستقلال. احتجت إلي السفر من أوسومبورا بالكونغو إلي كانو في نيجيريا علي طائرة تابعة لخطوط جنوب إفريقيا الجوية. هيأت نفسي لمقابلة سياسة العزل العنصري التي اعتقدت أنني سأتعرض لها على متن الطائرة. كنت المسافر الوحيد غير الأبيض. ومن المفارقات السارة أنني لم أتعرض لأي شئ من قبيل ما كنت أتوقعه. ولم ألحظ أي اختلاف بالمرة بين

451

450