الصراعات والوئام في زنجبار: ذكريات علي بن محسن البرواني

الصراعات والوئام في زنجبار

الجزء ١ · صفحة ٢٢٨

الوضع علي متن تلك الطائرة، وأي خطوط جوية أخرى سبق لي السفر عليها. وهبطت الطائرة في كانو بسبب عطل فني. واضطر المسافرون جميعا إلي النزول في فندق المطار الذي كنت سأقيم به علي أي حال.

وبينما كنت أتناول العشاء، جاء جنوب إفريقي أبيض من أقصى مائدة، وسأل بأدب: "هل يمكن أن أجلس معك؟ رحبت به راقبن عن كثب وأنا أتناول الطعام. ثم قال: "نحن الجنوب أفريقيين تتهم ظلما بممارسة تفرقة علي أساس اللون. والحقيقة أن ما بيننا هو الحاجز الثقافي، وليس حاجز اللون. فرجل مثلك، علي سبيل المثال، لا يمكن أن يتعرض لأي تمييز فأنت لست مختلفا عنا.

ولكنك لا تعرف نوعية السود الذين لدينا في جنوب إفريقيا. ".

لم أشأ أن أقوض العلاقة الحضارية التي قامت بيننا. أجادله. فالقدر جاء بي من، زنجبار و به من جوهانسبرج، وجمعنا علي متن تلك الطائرة، ثم وضعنا وجها لوجه نأكل نفس الطعام. ربما كانت هذه هي أول مرة في حياته يرى بانتوي، أو بأي مسمى يسموننا به في بلادهم، ليس خادما له. ويقيني أنه استمتع بتناول العشاء مع شخص غير أبيض، وتحادث معه حديث أنداد. وبالنسبة لي كانت تلك تجربة سارة أن أسافر علي خطوط جنوب إفريقيا، وأن أتناول الطعام مع جنوب إفريقي أبيض.

ووجدت أنهم ليس لهم ذيول ولا قرون، وأنهم تماما مثلنا.

والتقيت بعدها بخمسة عشر عاما، باثنين من جنوب إفريقيا، من البانتو السود هذه المرة، أحدهما أسود من الزولو، أسود مني قليلا، والثاني أسمر مثلي من الخوسا وهما يمثلان القبيلتين الرئيستين في جنوب إفريقيا. وهما مناضلين من أجل الحرية

تابعين لمنظمة المؤتمر الوطني الإفريقي في تنزانيا جمعني بهما السجن عدة سنوات عشنا معا وأكلنا معا، كأصدقاء، بل كإخوة. ولم يحدث بيننا أدنى، خلاف، رغم كوني مسلما، وهما مسيحيان إسما، لا يؤمنان بالمسيحية ولا يمارسانها. . وتجربتهما في تنزانيا مثيرة. كانا في الماضي يعتقدان أن الإسلام ديانة خاصة بالأسيويين وحدهم. ولم يكن لديهم فكرة عن وجود أفارقة مسلمين. ومنبع هذه الرؤى غير الصحيحة هو نظام العزل العنصري الساري آنذاك في بلادهم، حيث يحيا كل عرق في معزل قاصر عليه، بموجب القانون.

وفي ماكيريري، كنا نحن المسلمون أقلية يسيرة في مجتمع أغلبيته العظمى من المسيحيين. وذهل الطلبة وأعضاء هيئة التدريس حين تبين لهم أننا لا نختلف عنهم في شئ. فتاريخ أوغندا تاريخ حروب قبلية ودينية. الكاثوليك ضد البروتستانت، والمسيحيون مجتمعون ضد المسلمين. وكانت النتيجة هي سحق المسلمين وهيمنة المسيحيين، مع جعل اليد العليا للبروتستانت بوصفهم ربائب بريطانيا العظمى. في البداية كان المسلمون هم أصحاب الصدارة في ذلك البلد. ولكن الوضع انقلب مع تغلغل

الإرساليات التبشيرية الاستعمارية

وحين زرت أوغندا في أواخر الثلاثينيات كانت آثار الأحقاد التاريخية لا تزال قائمة. واختار مسلمي أوغندا المقهورين مواصلة التحدي وظلوا يجاهرون بدينهم، ويختلفون في زيهم ومنهم من يسير في شوارع العاصمة حاملا إناء من الماء للوضوء، ومتأبطا حصيرا للصلاة عليها. فهم يصرون علـ

453

452