الصراعات والوئام في زنجبار: ذكريات علي بن محسن البرواني

الصراعات والوئام في زنجبار

الجزء ١ · صفحة ٢٤

ونصل هنا إلى المفصل السابع على هذا الخيط الفكري الناظم المتعلق بتنبيه الأمة إلى مسألة كانت هي السابقة في التأكيد عليها، ولكننا لم نكن خير خلف لسلفنا. فغفلنا عنها وضيعناها ولانزال. تلك هي حقيقة أنه رغم الأهمية القصوى لقلب العالم الإسلامي، فإن سلامة ذلك القلب رهن بتحصين ثغور الأمة.

ونظرة عابرة على خريطة عالمنا الإسلامي تبين بكل قوة جسامة الاستهداف، ومساعى التفريغ الكمي والنوعي والتمزيق بمبضع حلاق على قارعة طريق الذي تعرضت له أرضنا وعقولنا، منذ الهجمة المغولية والصليبية والأوربية حتى الآن.

وتضع الدراسة أمتنا أمام معلومة بالغة العمق والخطورة، نكتف في هذه العجالة التمهيدية بذكر خلاصة خبرتها. فالخبرة التاريخية لسيرة التعامل الغربي مع زنجبار، وثغور أخرى مماثلة تكشف عن أن الغرب عامل مناطق الثغور الإسلامية بكرم بالغ حتى هيئ لنفسه فيها موطئ قدم يقفز منه إلى القلب. وما أن رسخ أقدامه القلب حتى كشف عن وجهه الحقيقى لتلك الثغور، وتحول إلى تهميشها أو إخضاعها، وتفريغها من مقومات البقاء. ويقيم المؤلف حجته تلك على مسح يتعدى حالة زنجبار إلى ثغور مماثلة في شتى أرجاء العالم.

أما المفصل الثامن فيتعلق بأهم عاملين في مقاومة الاستعمار في إفريقيا. ويبين المؤلف هنا أن الخبرة التاريخية تبرهن على ارتباط مصير تلك المقاومة بعاملين: الدور المصري بوصفه مصدر الإلهام، ودور أنساق المجتمع. فمع قوة هذين العاملين كان التخلص من الاستعمار القديم. ومع تردي هذين العاملين كان استئساد الاستعمار الجديد.

ويقدم المؤلف فى هذه الدراسة وصفا دقيقا للدور المصري في إفريقيا منذ العهد الناصري حتى الآن بإيجابياته وسلبياته، نترك للقارئ الوقوف على تفصيلاته في مواضعها من هذه الدراسة. وتكفينا هنا الإشارة إلى أمرين رئيسين كانا ولا يزالان يمثلان كابوسا رهيبا بالنسبة للدور المصري فى إفريقيا: أسوار البيروقراطية المصرية العالية، ودروبها الوعرة، والحساسية المفرطة من جانب خصوم ذلك الدور تجاهه وتكتلهم بكل السبل ضده، وتلمسهم سبل إجهاضه.

ويرصد المؤلف شواهد مهمة في تجليته لهذين البعدين على عسر الحصول على عون مصري، وعلى افتقاد ذلك الدور للتخطيط والبصيرة الكفيلة بثبات خطاه، وعلى تشوهه بفعل جدلية البيروقراطية والعقائد السياسية الوافدة فى أذهان حاشية المقربين من صانع القرار من جهة، والاستهداف المخطط له، من جانب خصومه ونجاحهم في توليد حساسية مضادة له في الأوساط الإفريقية غير العربية، دون رد مصري على مستوى تلك

التحديات.

أما على صعيد العامل الثاني الخاص بقوة نسيج المجتمع، فيقدم المؤلف طرحا فكريا عميقا حول أهمية تأسيس الأسرة على الزواج من بيت. ويبين الشبكة العلاقية ومنظومات الحقوق والواجبات التي تترتب على المصاهرة. ويجلي حقيقة اليسر البالغ في المتطلبات الشرعية لعقد القران، مقابل العقبات الرهيبة التـ تضعها العادات والتقاليد في سبيل بناء الأسرة.

ويجلي المؤلف هنا: أمرين: وعيه بشبكة علاقاته القرابية، رغم كونه نموذجا فريدا للإيمان بوحدة النفس البشرية، ومن ثم وحدة

45

44