الصراعات والوئام في زنجبار
الجزء ١ · صفحة ٢٣٥والأنكى من كل هذا أن كل إفريقي تجرى له عملية غسيل مخ بمجرد أن يدخل من باب مدرسة الحضانة، بحكايات مزيفة عن النخاسة وتجارة العبيد بغية غرس الكراهية بداخله لنفسه، وإصابته بعقدة نقص. فالإفريقي يصور في كل الكتب المدرسية التي تدرس له علي أنه في مؤخرة الركب وتصور له إفريقيا والأفارقة علي أنهم كانوا علي الدوام في موقع الضحية للعدوان والاستغلال الخارجي، وأن القارة السمراء هي قارة العبيد. ومع أن في هذه المقولات شئ من الحقيقة فإنها لا تمثل الحقيقة
بكاملها.
فمن إفريقيا جاء هانيبال الذي استطاع بجيشه القرطاجني المعزز بالفيلة أن يعبر جبال الألب بغية إخضاع الإمبراطورية الرومانية بعد أن قهر أسبانيا. واتخذ هانيبال الإفريقي عبيدا من الأسرى الأوربيين في غزواته المذهلة. ومن إفريقيا جاء سيدنا موسى عليه السلام، وخلد اسمه وذكراه في الإنجيل والقرآن. وقاد القائد الإفريقي طارق بن زياد الجيش الإسلامي وفتح به أسبانيا، وأسس حكما دام ثمانية قرون، في ذلك البلد الأوربي. وتخلصت القارة الأوربية، بفضل هذا الحكم ذاته من عصور ظلامها، بإدخال
التعليم الابتدائي العام، وإنشاء أولى الجامعات بها.
وعرف اليهود أزهى عصور، تاريخهم، في أسبانيا المسلمة، علي حد قول الكاتب اليهودي لويس جولدنج في كتابه الموسوم (المشكلة اليهودية). ومع سقوط دولة الإسلام في أسبانيا عاد الظلام ومعه محاكم التفتيش، تلك المؤسسة المسيحية التي كان هدفها هو استئصال شأفة اليهود والمسلمين وكل أصحاب التفكير الحر، وفى مقدمتهم العلماء وحمل المصريون وهم شعب
إفريقي لواء الحضارة ألوف، السنين، وصنعوا معجزات لا تزال موضع إعجاب البشرية جمعاء حتى اليوم. وتتحدى الأهرام، إحدى عجائب الدنيا السبع كل الحسابات والأزهر، أقدم جامعة في العالم جامعة إفريقية. وعرفت إفريقيا حضارات تمباكتو، وغانا، وزيمبابوي وزنجبار. وعلي ضوء هذا كله، لام الرئيس الكاميروني المغتال سيلفانو أوليمبيو، ذوي النفوس الضعيفة من الأفارقة الذين يتشدقون بأن جدودهم كانوا عبيدا. واعتاد رحمه الله أن يقول بفخر مبرر أو غير مبرر: "أنا لست سليل العبيد. أنا سليل ملاك العبيد". ومع هذا كله، فإن أدب الإرساليات التبشيرية الاستعمارية يسعى إلي صبغ الإفريقي بعقدة النقص فيقال للطالب الإفريقي أنه عبد وضيع، وما جاء الرجل الأبيض إلا ليحرره من الرق. وأنه كان عاريا، فجاء الرجل الأبيض ليكسوه. وكان متوحشا، فجاء الرجل الأبيض ليمدنه. وكان وثنيا فجاء الرجل الأبيض ليعطيه ديانة. فالحط من قدره وتلويث ماضيه هو الطريق إلي جعله يقدر الخير الذي أفاضته الإرساليات التبشيرية الاستعمارية عليه. وهذا السبيل الوحيد لجعله طيعا سهل القياد، ولجعله يتحمل نير الاستعمار بلا تذمر. وبهذه الطريقة تصاب عيناه بالغشاوة. ويواصل عملاء الاستعمار من أبناء شرق إفريقيا، سواء كانوا من زنجبار أو من البر الإفريقي، أو من بقية مناطق الساحل ترديد الإهانات التي انهالت علي رؤوسهم علي لسان أسيادهم الاستعماريين في المدارس. ويشير الكتاب الغربيون بأصبع الإتهام إلي الإسلام الذي يمثل التحدي الأكبر بالنسبة لهم، حين يتحدثون عن تجارة العبيد. ويحاولون بذلك التغطية علي الدور
467
466