الصراعات والوئام في زنجبار: ذكريات علي بن محسن البرواني

الصراعات والوئام في زنجبار

الجزء ١ · صفحة ٢٥

بني الإنسان بداية ومسيرة ومصيرا والدور المهم لتلك الأنساق

القرابية في الداخل والخارج، وفي السراء وفي الضراء. وهو رغم حفاوته البالغة بتلك الأنساق يضبطها بمقولة للإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه يصر على إيرادها بالعربية في مذكراته المكتوبة بالإنجليزية ترد البشر جميعا إلى آدم وحواء، وتوقف التفاخر بينهم على أصلهم من الطين والماء.

أما المفصل التاسع فيتعلق بوصف داء النخبة المتعلمة في عالمنا الإسلامى ووصف الدواء له. أما الداء فهو افتتان مؤسساتنا التربوية بشعار مخادع هو: الخريج الممثل للكمال عند تخرجه. وهذا الهدف خيالي، وهو ضار حتى على فرض إمكانية تحقيقه. فالحياة كالنهر الجاري، يستحيل العوم في نفس مياهه مرتين. فلا تقييم الخريج لمنحه شهادة التخرج، ولا للحكم بصلاحيته للعمل، ينبغي أن يؤسس على مثل هذا الشعار، بل على مبدأ آخر هو القدرة على تحقيق المزيد من الإرتقاء المتواصل بعد التخرج.

وداء الصفوة المتعلمة المؤسسة على الشعار الأول هو: افتقادها للمثابرة وثبات العزيمة بعد التخرج، وانشغالها بالتنقيب عن الحيل والحلول السهلة، لا عن الجوهر، وإخفاقها في تحقيق الوفاق بين التزامها المهني والتزامها الديني والوطني واكتفائها بدور الناقل عن دور المبدع ورضاها بأن تتعرف على نفسها وعلى غيرها بنظارة غيرها، وظاهرة عدم خلوها عادة من عناصر كارهة للحرية، رغم حقيقة أنه حتى الحيوانات مجبولة على حب الحرية.

والمخرج هو تجاوز ذلك الشعار إلى ذلك المبدأ. ويدعو المؤلف النخبة المتعلمة إلى رباعية مهمة قوامها استعادة آصرة تمكنها

من اللغة العربية والتحول من مستهلكين للفكر إلى منتجين له خاصة فيما يتعلق بالعلوم المعنية بالهوية العربية الإسلامية والارتباط من مواقع التعلم ومن مواقع العمل بالمجتمع على نحو نظامي ومؤسسي ومخطط، ومناهضة الثنائيات الغربية المصطنعة التي تفكك بها عرى المجتمع وتزرع بها الفتنة بالتنشئة على الإيثار، والتعاون على البر والتقوى بدفع المظالم والانحياز للمستضعفين، وسد أبواب الفرقة الكامنة والظاهرة.

ويرسم المؤلف هنا معالم صفوة أصيلة، شعارها: العطاء لا الأخذ. وغايتها هي أن تخدم أمتها، لا أن تحول أمتها إلى خادمة لها. ويهدي إلينا بصراحة بالغة وصاياه الخمس الأولى: الصحيح أخلاقيا صحيح سياسيا. والثانية: الطموح الشخصي مفسد لصاحبه وأقصى ما يمكنه أن يرتقي به يرتقي كومة نمل في حين أنه يتأهل بالتخلص منه ويحمل هم الأمة بأخلاقية لارتقاء قمة أعلى جبل. والثالثة: مفاتيح النجاح ليست بيد البشر بل بيد الله تعالى وما علينا غير الاجتهاد في الأخذ بالأسباب مع صدق النية في العمل والرابعة: وجوب الحذر من شعار مزيد من الواقعية وقليل من المثالية فترويجه باب خبيث للعبث بالهوية وللتحول دون أن نشعر من الأخلاقية إلى الانتهازية الرخيصة. والخامسة والأخيرة: وجوب التحرر من تخدير شعار تحديد هوية الإنسان بحقوق المواطنة الحصرية، واستعادة الوعي ببناء تلك الهوية على إنسانية الإنسان العابد، الذي سواه الله تعالى ونفخ فيه من، روحه وخلقه حرا، وكلفه بأن يعمل من أجل البقاء حراء وجعل مدار عزته وكرامته على الحرية المسؤولة بجناحيها:

التحرير والتحرر.

47

46