الصراعات والوئام في زنجبار: ذكريات علي بن محسن البرواني

الصراعات والوئام في زنجبار

الجزء ١ · صفحة ٢٤١

قبيل بيت العجائب ومامبو مسيجي. فهذه البيوت بنيت في وضح النهار والتاريخ، مع وجود شهود عيان من البعثات الأجنبية والممثلين الديبلوماسيين. ولم يحكي أحد منهم أن شيئا من هذا القبيل قد حدث. ولو كان أحد منهم شاهد شيئا، فلماذا لم يحتج أو يرفع الأمر إلي حكومته؟

الحقيقة أن زنجبار تعرضت لعملية إسقاط لما حدث في بلاد ومجتمعات أخرى، دون أي دليل يذكر. وعلي سبيل المثال، نطالع في ميري استودنتس انسيكلوبيديا أنه "كانت قرابين للآلهة تقدم من بين العبيد التولتكس والأزتيك. ومن بين الزنوج الأفارقة وسكان جزر البولونيز وهنود شمال غرب المحيط الهادي من كان يعدم عند دفن حاكم أو بناء منزل أو معبد جديد. ففي مثل تلك المناسبات كانت التضحية بأحد الممتلكات الثمينة (العبيد) يعزز مكانة المالك. وكانت تلك الشعائر وثنية معادية للإسلام بذات درجة عدائها للمسيحية.

ويعلم نيريري أنه ما من قبيلة إفريقية إلا ومارست الرق. وهو يعلم أيضا أن كل الدول الأوربية مارست الرق. ويعلم ثالثا أن زنجبار هي أول بلد يلغي الرق، وتنجانيقاهي آخر بلد يلغيه علي منطقة شرق إفريقيا. وهو يعلم أخيرا، أنه كان من بين الممارسات المتعارف عليها بين قبائل إفريقية معينة في تنجانيقا أن زعيم القبيلة حينما يموت تدفن معه مجموعة من عبيده أحياء حاملين جثمان سيدهم.

وقال لي أوسكار كامبونا أن تلك العادة لم تتوقف إلا بعد مجئ الإسلام والمسيحية. فمن ذا الذي خلي تاريخه من أي عيب؟ إن نيريري يحفر في تاريخ غيره ليواري سوءة حاضره. فاغتصاب

زنجبار علي يديه حدث اليوم وليس من عدة قرون وأعماله الطالحة حاضر معاش. ومع ذلك فإنه حين يتفوه بمزاعم مهما كانت خيالية، فإن جوقته ترددها بصوت واحد ومن قبله تصرف المستعمرون علي ذات الوتيرة. واصلوا ترديد خرافات، أو تضخيم وقائع بسيطة، من أجل لفت الأنظار عن المظالم التي يرتكبونها. وليس التاريخ مجرد رواية أحداث جرت بل هو أيضا تأويل لتلك الأحداث ونسبتها للزمان والمكان الذي حدثت فيه والمبررات الكامنة وراءها. ولا يمكن قياس ما حدث في أوغندا من قرون خلت علي سبيل المثال، بذات مقياس بريطانيا القرن العشرين. فاليوم من غير الإنساني حمل شخص ما علي الذهاب من كيلوا إلي كيجوما سيرا علي الأقدام. ولكن كان هذا هو ما يفعله الجميع منذ مائة عام. وترتعد فرائصنا اليوم حين نشاهد في فيلم صيادا يقتل فيلا من أجل العاج، أو كركدن من أجل قرنه. وربما كنا نحن أنفسنا من ثلاثين أو أربعين سنة نصيد تلك الحيوانات المسكينة لمجرد التسلية ونشعر بالسرور عندما نرى أحدها يسقط برصاصة واحدة، ونتفاخر بذلك. وخلاصة القول أن أفكارنا المتعلقة بالتصرفات الأخلاقية، تختلف باختلاف الزمان والبيئة الاجتماعية وعوامل أخرى. فلنتأمل في دلالة عدم إلغاء أي من سيدنا عيسى عليه السلام أو سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم الرق دفعة واحدة. لا. بل سلم كل منهما بوجوده بشكل ما ودعا إلي الرفق بالعبيد. ورغم أن النبي محمد صلى الله عليه وسلم صاغ عدة إجراءات يمكن أن تؤدي في الوقت المناسب إلي تجفيف منابعه وزواله المبرم فإنه لم يصل إلي حد حظره بالمطلق، لأن الأوان المناسب لم يكن قد

479

478