الصراعات والوئام في زنجبار
الجزء ١ · صفحة ٢٤٨المسيحية بوصفها أصولا للمسيحية والتمسك الصارم بالمبادئ القديمة أو الأساسية لأي عقيدة، وبالأخص الإسلام".
ويتضح من ذلك كيف أن مفهوم الأصولية تطور من مفهوم دال علي حركة خاصة كانت تنطبق علي طائفة مسيحية بعينها، إلى حركة تنطبق بالأخص علي المسلمين، بقدر كبير من التحريف لمعناه الأصلي. ونحن لا نماري في توسيع نطاق المفهوم الذي أريد به في الأساس وصف حالة طائفة من المسيحيين، وتمديده ليشمل المسلمين، شريطة أن لا تتعرض تلك الكلمة للتحول فى مضامينها عبر عملية النقل هذه. فلو كان معنى هذا المفهوم هو كما موصوف بالمعاجم الغربية، فإن كل المسلمين أصوليون. فأي إنسان لا يؤمن بالوحي الإلهي المنزل ويشك في كون القرآن معصوما لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه هو خارج مظلة الإسلام. وكل المسلمين يؤمنون بالقرآن، تماما كما يؤمن الأصوليون المسيحيون بالكتاب المقدس. لابأس إذن حتى الآن. ولكن ما لا يقبل هو أن يرتبط ترويج المفهوم فيما يتعلق بالمسلمين بمعنى محرف يجعل كلمة "أصولية" مرادفة لكلمة التنطع" والتعصب الأعمى". ولو أن تلك الكلمة استعملت مرة أخرى بهذا المضمون المحرف، لتصف من هذا حاله من المسلمين لما كان لنا اعتراض عليها. فمن بين المسلمين شأنهم شأن المسيحيين أو اليهود أو السيخ، أو الملحدين من هو مصاب بالتنطع والتعصب الأعمى.
أما استعمال مفهوم "الأصولي " بدلالاته المشوهة علي نحو لا يسلم منه كل من يتخذ من الإسلام دينا، ويسعى إلى الحياة وفق نهجه، وتعاليمه، واعتبار الإسلام ذاته ديانة تنطع وتعصب
أعمى"، فأمر لا يقبله عاقل. فالعلماني والشيوعي والملحد يمكن
أن يكون متعصبا ومتنطعا، كالمؤمن بأي دين من الأديان سواء
بسواء.
بل إن من هو مصنف رسميا علي أنه "ليبرالي " قد لا يكون ليبراليا إلا في الحدود التي تسمح بها مصالحه الخاصة. وهو يصادر علي الرؤى المغايرة لوجهة نظره، رغم ليبراليته ما لم يكن متسامحا. والغرب الليبرالي متسامح تجاه اليهود الآن، لأنه خاض حربا مظفرة منذ جيل أو جيلين ضد ألمانيا التوسعية، التي تصادف كونها معادية للسامية.
وبات من العرف السائد منذ ذلك التاريخ الموافقة بلا قيد ولا شرط علي كل ما يطلبه اليهود فيما يمثل جانبا من جوانب رد الدين الذي في عنق الغرب علي مدى ألفي عام من العداء ضد اليهود. فحتى عام 1858 كان من المحظور أن يكون بالبرلمان الإنجليزي أي عضو يهودي. وكان ليونيل ريتشارد أول يهودي يسمح له بعضوية مجلس العموم البريطاني. وفاز ذلك اليهودي في الانتخابات أربع مرات كمرشح ليبرالي قبل أن يتم تعديل القانون بما يسمح بعضويته بصفته يهوديا في البرلمان. وقبل ذلك، كانت عضوية البرلمان البريطاني حكر علي المسيحيين. وعلي الرغم من خضوع المسلمين للاستعمار الغربي المعاصر علي مدى ما يزيد عن قرن من الزمان، فإنهم لم يقبلوا الذلة تجاه المستعمر، بل كانوا متحدين حتى وهم مهزومون. فهم أناس لا يركعون إلا لله تعالي. وهم لا يطلبون من الغربيين صدقة ولا إحسانا، بل يطلبون منه الاحترام بوصفهم إخوة لهم في الإنسانية
493
492