الصراعات والوئام في زنجبار: ذكريات علي بن محسن البرواني

الصراعات والوئام في زنجبار

الجزء ١ · صفحة ٢٦

وتتناسج رؤية المؤلف هنا مع دعوة المفكر العربي الراحل عبدالوهاب المسيري إلى تجاوز إنسان الموضع الذي اصطنعته الحضارة الغربية المادية بالإنسان الكوني الرباني الذي عرفه الإسلام. كما يستدعي مقولة عالمة الأمة الراحلة منى أبو الفضل في التمييز بين حضارة المسقط الأفقي والبندول المتأرجح الغربية، وبين حضارة المسقط الرأسى والميزان التوحيدية.

أما المفصل العاشر فيؤشر على أمرين أولهما التحرر من وهم التحول من الزراعة إلى الصناعة والافتتان بالذهب والعملات الصعبة، واستهلاك أسوأ ما ننتج لصالح تخصيص الأفضل للتصدير، في محاكاة سافرة لأسطورة لمسة ميداس، التي لم يخرج صاحبها من نشوتها المتمثلة في تحول كل ما تلمسه يده إلى ذهب، إلا لما لمست يده جسد ابنته فحولته إلى ذهب. فلقد استولى هذا الوهم على عقلية من صاغوا خطط التنمية الإقتصادية في بلادنا بمختلف صورها في عهد ما بعد الاستعمار، وتقلبوا بها من إخفاق إلى آخر، لم تقم معه صناعة ولا بقيت زراعة ولا روح إنسان.

ولعل الأمر الثاني المقابل، هو الأهم وهو التجربة التي يعرضها المؤلف بالتفصيل لتحقيق زنجبار الاكتفاء الغذائي الذاتي في

ظروف استثنائية بحجم الحرب العالمية الثانية.

ومن أهم ما يجب الوقوف عنده، هنا بيان المؤلف الكيفية التي تعانق بها الانفتاح العلمي على الخارج من جانب صفوة خبراء الزراعة والطب البيطري بزعامته من أبناء أمتنا الإسلامية في نقطة بحجم، زنجبار، وفي ظروف بعسر الحرب العالمية الثانية، وإيجابيات التركيز على بناء القناعة الجماهيرية، في مقابل

العواقب الوخيمة للإعتماد على السلطات الممنوحة بقوانين استثنائية، في تحقيق تلك الغاية التي تحتاج جل إن لم يكن كل دول عالمنا الإسلامي لمحاكاتها واستلهام عبرتها.

أما المفصل الحادي عشر فيتعلق بابتلاء أمتنا بذهاب الشيوخ الراسخين فى العلم، وتشتيتهم، وظهور فئة من المعممين المتعالمين. ومع أن الفئة الأخيرة كانت على الدوام قلة يسيرة، فإنها هى الأكثر تنظيما والأعلى صوتا، والأقوى مددا ماديا ومعنويا ونفسيا، من قوى خارجية ذات مصالح في عالمنا الإسلامي. والأغلبية العظمى من الأمة تائهة ومغلوبة على

أمرها.

وسقوط سلطنة زنجبار، ودخول الاشتراكية في حضرموت وتردي الدور الريادي المصري السياسي والاقتصادي، ودور الأزهر التربوي والتنويري في إفريقيا، وراء التمكين لفئة ممن يدعون المشيخة، في حين يقف دورهم عند صناعة الجدل العقيم. وكل منهم يضبط إيقاعه على هوى من يموله ممن لا علاقة لهمومهم بالدين، بل بالمنافع السياسية العابرة. وبذا باتت الأمة أمام ما يسميه المؤلف خطر التبديل والفتنة التي هي أشد من القتل

:

وتراجع صناعة الإخاء، ورواج صناعة الكراهية، والتلقين الطائفي، بدلا من التحصين ضد الطائفية، بعد أن تقطعت السبل بالأمة، بتجفيف منابع زراعة الوسطية والتسامح في زنجبار

وحضرموت.

وفي هذا السياق ذاته يستعرض المؤلف كارثة النفخ في كير الطائفية في زنجبار منذ أواخر العقد الخامس من القرن العشرين والجهد الدؤوب والمخطط والمتواصل الذي تمت به إزالة دولة

49

48