الصراعات والوئام في زنجبار: ذكريات علي بن محسن البرواني

الصراعات والوئام في زنجبار

الجزء ١ · صفحة ٢٥٣

ولا يختلف الحال عن ذلك في البر الإفريقي. فمنطقة دودوما في وسط تنجانيقا باتت مناسبة تماما لزراعة الكروم بفضل جهود القساوسة الكاثوليك. وكان من الممكن أن يكون ذلك نعمة بالنسبة

لبلد يعاني من نقص في امدادات الفواكه الطازجة. ولكنه بدلا من أكل العنب الطازج او استخراج العصير منه، فإن السلطات التنزانية اختارت أن تضيف به شرابا مسکرا آخر إلى قائمتها الهائلة من المشروبات الكحولية وتم إرساء علاقة تعاون وثيقة بين دودوما وماهوندا، حيث تقدم الأخيرة المحلول الكحولي المقوي للخمر الذي تنتجه دودوما. وترمز هذه الشراكة في الإثم إلي الوحدة التنزانية.

فالوحدة التنزانية هي الإنجاز النهائي لنيريري. ولكن هل هي إنجازه، أم هو مجرد أداة في مؤامرة أخبث منه بكثير؟ لا علم لي. ولكن بالحكم في ضوء الطريقة التي تتشكل بها معطيات الواقع من بداية القرن التاسع عشر حتى الآن يبدو أن هناك خطة محددة رسمت خطوطها من البداية، ويجري تنفيذها خطوة خطوة، مع توظيف لأذناب مختلفين في عهود مختلفة. وصدرت القرارات في أوروبا عن القوى التي قسمت إفريقيا. وجاء طموح السيد ماجد لأن يكون سلطانا مستقلا عن أخيه الأكبر السيد ثويني، مناسبا تماما لتلك المخططات.

فعلي يديه تم تفكيك الإمبراطورية العمانية الكبرى، التي أرسى السيد سعيد بن سلطان دعائمها بكل قوة وتعاقبت القوى الاستعمارية بسرعة في الانقضاض علي شرق إفريقيا بعد، إضعافها، على شاكلة مهاجمة النسور لغزالة جريحة. وأخذت كل من إيطاليا وبريطانيا وألمانيا وبلجيكا نصيبا من الأراضي

كان السيد سعيد بن سلطان قد عززها ووحدها وانكفأت عمان في العزلة والتخلف إلى أن جاء السلطان قابوس بن سعيد المعظم فأنقذها. ولم يتبقى من أراضي زنجبار المترامية الأطراف من القرن الإفريقي إلي موزمبيق غير جزيرتين صغيرتين هما بيمبا وزنجبار وفرضت بريطانيا حمايتها عليهما كذلك. ويمكن القول أن الغرب استطاع أن يتخذ من زنجبار نقطة وثوب في البر الإفريقي. وحصلت الإرساليات التبشيرية والمستكشفون، والاستعماريون، عبر، زنجبار، علي كل أنواع الدعم التي ساعدتهم علي التغلغل في قلب القارة الإفريقية. وكانوا أهل كرم ومودة عندما قدموا ولكنهم صاروا متكبرين وطغاة، بعد أن حققوا مآربهم. واستخدم هؤلاء الأوربيون جزر لامو وممباسا وزنجبار وبيمبا ومافيا والقمر كنقاط وثوب للقفز منها إلي داخل إفريقيا. وبعد استخدامها في تحقيق ذلك المطلب، تم نبذها واعتبارها من سقط المتاع. بل أصبحت تلك الجزر ملحقات يجري قهرها ومنعها من أن ترفع رأسها مرة أخرى.

وبتعبير آخر كان ليفنجستون وستانلي وكرابف وغيرهم مجاملين والابتسامة علي وجوههم حينما كانوا يسعون إلي الحصول علي العطف والمساندة من حكام أقاليم ساحل شرق إفريقيا. ولكنهم بمجرد أن رسخوا أقدامهم في المنطقة، فرغوا أنفسهم هم وأمثالهم لتقويض من مدوا لهم يد العون من قبل. وهم في ذلك ليسوا ذرية غريبة من البشر. فهم صورة طبق الأصل لمن يحركهم الطموح الذي هو أصل الشرور، كما عبر عن ذلك شكسبير علي لسان بروتوس. وحينما يتكلم شكسبير، فإنه يقول دررا خالدة

503

هذا برهان مشترك

502