الصراعات والوئام في زنجبار
الجزء ١ · صفحة ٢٥٨والواقع أن الخط الفاصل بين العلم الصحيح والدين الحق وبينهما وبين السياسة الأمينة رفيع للغاية. ولقد علمتني قوانين الوراثة، والتطور، وأصل الأنواع، والإسلام، أنا وطلبتي، أنه من الغباء المستحكم تقسيم البشر إلي أجناس وقبائل، بينما هم جميعا من أصل بشري. واحد. فالعلم والإسلام يتحدثان، في منظورنا،
بلغة واحدة.
ثانيا: حلقة الوصل - إرهاصة للحزب الوطني الزنجباري
لم يمر وقت طويل قبل أن يفاتحنى الطلاب الأكثر نضوجا ورشدا من طلبة مدرسة تدريب المعلمين ساعين إلي أن يعرفوا مني السبيل إلي حل للموضوع الأهم الذي يؤرقهم، ألا وهو: الانقسامات بين الطوائف العرقية جائتني مجموعة من خمس أو ست طلاب، وقالوا لي: "نحن هنا في دولي نعيش معا وندرس معا، والصداقة سائدة بيننا، ولا نشعر بأي فوارق بيننا. ولكن بمجرد أن نتخرج من المدرسة، ونذهب إلي ساحة العمل، يلحق كل منا بفصيله العرقي، ونتشتت، ونفترق. هذا يلحق بالجمعية العربية، وذاك بالجمعية الإفريقية، وهذا بالجمعية الشيرازية، وذاك بالجمعية القمرية. فكيف نبقي علي هذه العلاقة الطيبة التي ترسخت بيننا بالمدرسة بعد خروجنا إلي ساحة الحياة العملية
بعد التخرج؟
كانت لدي إجابة علي السؤال. قلت لهم أنه بعد الحرب العالية الأولي، شكلت مجموعة من الطلبة الألمان والبريطانيين التواقين إلي تجسير الفجوة بين الشعبين الألماني والبريطاني، منظمة أسموها: "حلقة الوصل". أنشأنا بدورنا حلقة وصل في دولي بهذه
المجموعة من الطلبة وقررنا أن تكون هذه الحلقة بمثابة مجموعة عمل، تبلغ رسالتها عبر جريدة المرشد الأسبوعية، التي كنت أكتب افتتاحياتها سرا آنئذ كمهمة ائتمنني عليها محمد سالم البرواني الشهير بجينجا حين غادر زنجبار إلي بريطانيا لتحصيل
المزيد من التعليم.
وكان أعضاء مجموعتنا هذه ينتشرون في العصاري والعطلة الأسبوعية، علي مقاهي القرية في دولي وكيزيمباني ومكانيا جني وبوبوبو وكل الأحياء المحيطة بالمدرسة، ويشرع الواحد منهم في قراءة تلك الجريدة الأسبوعية، بينما يستمع آخرون. وبذا تم جذب انتباه القرويين. وبجانب الافتتاحيات كانت هناك مقالات عديدة روعي فيها أن تكون مصدر استنارة وإرشاد. كما كان للشيخ عبد الله صالح الفارسي صفحة خاصة للفكر الديني. وبمرور الوقت اكتسب طالب أو طالبين المهارة الكافية لإعداد موضوعات
للمناقشة بأنفسهم، والتحاور مع القرويين بشأنها.
وعلي مسافة لا تبعد عن دولي إلا بقرابة أربعة أو خمسة كيلومترات، كان يوجد مستشفي ويليزو، الذي هو في الواقع مأوى للمسنين، والمصابين بأمراض عضال. وكان ذلك المستشفي مؤسسة حكومية تمول من المال العام، ولكن إدارة مجريات العمل به بيد راهبات كاثوليكيات. وكان من النادر أن يزور أقارب المرضى مرضاهم من نزلائه لبعد هذا المأوى عن المدينة، ووجوده في منطقة منعزلة. من هنا جعلنا من مهام (حلقة الوصل) القيام بزيارات منتظمة لتلك المؤسسة للترويح عن المسنين والمرضى، وللعمل كحلقة وصل بينهم وبين أقاربهم ومن بين رفاقي الذين عملوا معي في
513
512