الصراعات والوئام في زنجبار
الجزء ١ · صفحة ٢٨١سنوات في منصبه، لم ينجز خلالها شيئا يذكر بالمرة علي الطريق صوب إزالة الشرور الأساسية لما يسمى: الثورة
فرغم تحول عبود جومبي المزعوم إلى الاعتدال والاستقامة ظل معمل ما هوندا لتكرير الكحول ينتج المسكرات. وظل السكر مستشريا. وتواصل السجن دون محاكمة وظلت الممتلكات المصادرة مصادرة. وظل ألوف المواطنين الزنجباريين بالخارج كلاجئين في كل أرجاء المعمورة. وتمت تصفية السبعة عشر الذين أعلن كارومي تخفيض الحكم الصادر عليهم بتهمة كونهم "خونة" من الإعدام إلي السجن، سرا حينما وصل عبود جومبي إلي سدة الحكم وفرغت الديموقراطية والأمانة والإخلاص من كل معانيها منذ عام 1964، وسار علي ذات النهج طيلة عهده. وظلت العنصرية هي لباب أيدلوجيته السياسية. وتشير كل الدلائل إلى أنه لم ينبذ ذلك المبدأ الرئيس الذي تأسس عليه حزب
الأفروشيرازي
ثم جاء علي حسن مويني إلي سدة الرئاسة، وسيف شريف حماد إلي منصب الوزير الأول، ورأيا أن من مقتضيات النفعية السياسية عدم معالجة المشكلات الأساسية. فلم يكن ماهو حق أخلاقيا يشغل بالهما كثيرا. ولم يطرأ، بالتالي، أي تحول جوهري بالنسبة للمسائل الحيوية. فقط تردد كلام مرسل عن أن النظام
الحاكم سينصر المظلومين، وسيعادي المخطئين.
ولكن ذلك كان مجرد تشدق بالكلام. ولم يعرف الواقع سوى تغييرات سطحية هنا وهناك غايتها خداع السذج. فلم يمس قانون الاعتقال دون محاكمة. ولم يسمح بأي معارضة سياسية. ولم يرخص بصدور أي صحيفة في زنجبار. وبلغ جيل كامل من
الزنجباريين سن الرشد دون أن يحلم بأنه قد أتى على بلادهم حينا
من الدهر، كان لها فيه صحافة حرة، مع وجود ما يزيد علي عشر صحف مملوكة ملكية عامة. وظلت الممتلكات المصادرة في أيدي الغاصبين وسفاحيهم، الذين كانوا في غالبيتهم من غير
المواطنين الزنجباريين.
ولم يجد القادة أنفسهم حرجا في حيازة الممتلكات المصادرة. واستخدامها كل ما استجد هو صدور قطعة من الورق سميت الدستور عام 1984. وأرست تلك الورقة: الجنسية الزنجبارية من الوجهة الشكلية، ولكن شبح الجنسية التنزانية ظل يحوم في سماء زنجبار. وأعلن ذاك المسمى بالدستور أنه لن يتم تأميم أية ممتلكات إلا للمصلحة العامة وبعد دفع تعويض كامل وعادل. وكان ذلك مجرد حبر علي ورق. فلقد أعلن أن القانون لن يسري بأثر رجعي. وبتعبير آخر، أن الغرض من ذلك القانون لم يكن بأي حال تصحيح الأخطاء التي وقعت، بل حماية اللصوص من أن يحرموا من الممتلكات المسروقة. فما سبق سرقته لا يعاد إلى ملاكه الحقيقيين. والسؤال الذي يفرض نفسه: ما هو مضمون الجنسية الزنجبارية فيما إذا المواطن قد فقد أرضه وبيته وبلده؟ وهكذا أصبحت زنجبار أسطورة، بينما أصبحت تنزانيا صنيعة نيريري وكارومي حقيقة واقعة. وتم تبديد ممتلكات الأيتام، والمساجد والمدارس وكل الأوقاف الدينية، وإعطائها لكل من هب ودب، بينما بات أصحاب الحق في الانتفاع بها يعتمدون علي الصدقة ممن اضطروا إلي الخروج للعيش بالمنفي بعد الاستيلاء علي كل ممتلكاتهم.
559
558