الصراعات والوئام في زنجبار
الجزء ١ · صفحة ٢٨٧جمعه وزير الزراعة السابق، وأنا إلي سجن دودوما بوسط تنجانيقا، وهو سجن استعماري قديم يعتبر في مقدمة السجون من حيث شدة إجراءات الأمن. وكان هذا السجن آنئذ هو الوحيد في تنجانيقا الذي تنفذ فيه أحكام الإعدام. وبالتالي فإن كل المحكوم عليهم بالإعدام كانوا يقضون بقية عمرهم في هذا السجن. وكان مدير هذا السجن راشد، توفيق فهو مثقف دمث، الخلق من مواليد كيجوما الكائنة على بحيرة تنجانيقا. وكانت لهجته شأن معظم أبناء المدن التنجانيقية مماثلة للهجتنا. ولم يكن يستستيغ إذلالنا، بل يقوم فحسب بما يحتمه عليه عمله. اعتذر لنا عن الأوضاع في السجن. قلت له اليس ثمة ما تعتذر عنه. لما كنت وزيرا كنت أختار حين أسافر إلي الخارج غرفة بدورة مياه ملحقة بها في أي فندق أنزل به. والوضع هنا أفضل. فالمرحاض داخل الغرفة ذاتها".
وكان هذا الرجل يتمتع بحس فكاهي. ضحك حينما سمع مني هذا الرد. ومن تلك اللحظة فصاعدا كانت المعاملة بيننا طيبة. وكان يأتي حتى في أيام الأحاد - يوم عطلته الأسبوعية - ويقضي معنا ثلاث أو أربع ساعات نتجاذب أطراف الحديث، ونتحاور، ونتبادل المزاح والنكات.
إلا أن هذا كله لم يشفع لراشد توفيق عند سالم كومبو الذي كان حاضر النكتة ولا يبارى فيها. وكان سر عدم ارتياحه إليه هو ما بدر منه مما يدل علي جهله بحقيقة حكومة زنجبار التي جرت الإطاحة بها. قال لي سالم كومبو: "أنا لا أطيق الحمقى" وكان ردي عليه: إنها ليست غلطته. كل ما في الأمر أنه لا يعرف. ومن واجبنا أن نجعله يعرف".
في البداية كان راشد توفيق يعتقد، أو أعطانا انطباعا بأنه يعتقد
أن ثمة مبررات للإطاحة بحكومتنا، من جراء تصديقه للدعاية التي كانت تنهال على شعب زنجبار وتنجانيقا، الزاعمة أن الحكومة المطاح بها كانت حكومة أقلية عربية " غريبة، تتسلط علي أغلبية إفريقية.
وتبين لهذا الرجل بكل جلاء زيف تلك الاتهامات الموجهة ضدنا، بعد أن التقى أحمد عيدروس باعلوي في سجن متوارا، وجمعة علاي في سجن تانجا وقام بنفسه بزيارة إلي زنجبار. وصار. يعلم أن حكومتنا كانت حكومة وطنية الغالبية العظمى من أفرادها، أفارقة، وأن الزنجباريين من كل الأصول العرقية، يجري في عروقهم الدم الإفريقي بدرجة لاتقل عن من يسمون: الأفارقة، وأن الأمر كله هو مجرد تلاعب بألفاظ مموهة لتسويغ قضية غير عادلة. والحق أنني لقيت معاملة طيبة من السجانين ومن نزلاء السجن، علي مدى عشر سنوات أمضيتها في سجون مختلفة بتنجانيقا، وبالأحرى في سجون كوندونشي وكيكو، ودودوما وموانزا، وبوكوبا. واكتسبت احترامهم وتقديرهم. وانتقل راشد توفيق إلي سجون أخرى لبعض الوقت، وحل محله المدير مصطفى داتشي وهو من قبائل البوندي من مقاطعة تانجا عاملنا معاملة عادية من حيث الظاهر، ولكنه كان علي العكس من توفيق يخفي في
نفسه شئ.
2
جمعه علاي الأبروي وهو زنجباري ترجع أصوله إلى قرية ابراء من الشرقية بعمان - يعقوب بن سعيد البرواني
567
566