الصراعات والوئام في زنجبار: ذكريات علي بن محسن البرواني

الصراعات والوئام في زنجبار

الجزء ١ · صفحة ٢٨٨

وكان هناك زميل من بلدي يعمل بإدارة الجيولوجيا في دودوما، هو أحمد علاي، الشقيق الأصغر لجمعه علاي اعتاد زيارتنا وكان يحضر لي بعض التمور قبل شهر رمضان للإفطار عليها، فضلا عن وجبة الإفطار وكلف مصطفي داتشي شابا من حراس السجن يدعى ويلبرود بأن يكون عينا علينا يراقب العلاقة بينى وبين أحمد علاي وبات ذلك الحارس مألوفا وصديقا لكل منا، إلى حد أن أحمد علاي وثق فيه بدرجة كبيرة.

أولا: ألفونسو أدونجو: الهارب الكبير

كان يوجد شخص يدعى ألفونسو أدونجو، في القسم الخاضع لأقصى درجات الأمن، الذي كنا نزلاء فيه في سجن دودوما. وهذا الشخص من قبائل اللوو من كينيا، وهو أهم هارب من السجن في شرق إفريقيا. تمكن من الفرار من سجن لوزيرا الأوغندي الردئ السمعة، ثم من سجن يسوع في كينيا وكان علي وشك الهروب من السجن المركزي بزنجبار، حينما تم تسليمه وأعيد إلي دودوما الذي سبق له أيضا أن هرب منه. وأنشئ قسم خاص له ولأمثاله في سجن دودوما جدران زنازينه وسقفها من الخرسانة المسلحة، بحيث تبدو وكأنها ثلاجة. أما الجدار المحيط بالمبنى فبارتفاع ثلاثة أمتار وسمك متر. واحد. ويرابط عليه حارسان علي مدار الساعة: واحد علي الأرض، والثاني في برج المراقبة الذي لا

مدخل له من الداخل.

وكان مدخل برج المراقبة من خارج جدران السجن. ولكل زنزانة قفلين ثقيلين مصنوعين من النحاس. ولم يسمح لألفونسو بالعمل بالرغم من كونه سجينا مدانا يقضي فترة سجن محكوم عليه بها. ومرد ذلك هو الخشية من أنه إذا اتصل بأخرين، فقد يدبر وسيلة

على

للهرب. فهو إنسان لا تعرف براعته الحدود وكانوا يحرصون التأكد من أن اللحوم التي تدخل زنزانته خالية تماما من العظم مخافة أن يصنع من العظم مفتاحا، أو أداة ما تساعده

علي الهرب.

جمعت كل هذه المعلومات عن ألفونسو أدونجو يوم وصولنا إلي السجن، وإيداعنا فيه بشكل مؤقت مع مجموعة من المعتقلين التنجانيقيين. وفوجئنا بوجود معتقلين غيرنا فى تنجانيقا، بعضهم من أعضاء نقابة العمال التي ساندت التمرد الذي قام به الجيش بعد الإطاحة بحكومتنا بأسبوع واحد، والبعض الآخر من المتعاطفين مع الزعيم عبد الله سعيد فونديكيرا ممن نظموا صلاة شكر بمناسبة تبرئته من التهم الملفقة التي أثيرت ضده. وفي ذات اليوم نقلنا إلى ماهو معروف بقسم ألفونسو

كان ألفونسو شخصية مرموقة بين المسجونين. بنية جسده قوية وطوله متوسط. وأتاحوا له في زنزانته بطانيتين فقط، إحداهما ينام عليها، والثانية يلتحفها. وكان يؤمر في نهاية الدوام كل يوم بأن يتجرد من ملابسه، تماما، ويجلس القرفصاء ويحدق أحد حراس السجن في إسته ليتأكد أنه لم يخبئ شيئا. ويتم تفتيش زنزانته بدقة قبل السماح له بدخولها. ويظل قميصه وسرواله بالخارج ولا يسمح له بالنوم إلا بملابسه الداخلية. ولم يكن له من الوسامة نصيب، وإن كان جسده جسد رجل بحق. قوي ورشيق. عيناه تلمعان كما الأبنوس مع بروز ستة من أسنان فكه الأسفل على شاكلة المنتمين إلي قبيلة اللوو. وكان حسن المعاشرة وجذابا وودودا. ولما رأي أنني مسن (بحكم أن المسن في العرف الإفريقي هو من جاوز سن الأربعين، وكنت حينها في

569

568