الصراعات والوئام في زنجبار: ذكريات علي بن محسن البرواني

الصراعات والوئام في زنجبار

الجزء ١ · صفحة ٢٩٣

الأدوات التي تتطلبها عملية الإعدام. وليس بها أي إنسان يمكنك

خاصة. وهنا جاءت ثغرة قوضت هذه المحاولة الثانية للهروب من أساسها.

أن تتحدث معه غير الحارس.

لم يحدث أبدا أن وضعت قيود في يدي طيلة سجني في تنزانيا حتى لدي نقلي من سجن إلي آخر. وكان كل من يراني مرحلا في قطار أو في سيارة يعتقد أنني أنا الرئيس ومن برفقتي هم بطانتي وأفراد الحراسة الحاملين لحقائبي. وكان هذا هو الانطباع الذي خرج به بعض أعضاء فرق السلام الأمريكية حين قابلوني وأنا في الطريق إلي سجن موانزا. ظنوا أنني عضو بإحدى وكالات الغوث الدولية فى مهمة مماثلة لمهمتهم ونجحت في وضع رسالة مكتوبة خلسة في يد أحدهم طالبا منه أن يحيط ديفيد ريد الذي هو أحد أصدقائي الأمريكيين الصحفيين علما بمحنتنا. لم يكن لدي عنوانه ولكنني خمنت إمكانية إرساله إليه على مؤسسة ريدر زدايجست التي هو من المنتسبين إليها. ولا أعلم ما إذا كانت تلك الرسالة قد وصلت إليه. وأعلم الآن أنه قد مات، ولا أدري متى مات.

أنزلوني في البداية في سجن موانزا الذي رحلوني إليه، من دودوما في زنزانة المحكوم عليهم بالإعدام. وفي الصباح، حملوني علي قضاء النهار كله في غرفة جرت العادة على تنفيذ أحكام الإعدام فيها للحيلولة دون الاتصال بالمسجونين المحكومين. كانت تلك تجربة رهيبة. ولم يخفف من كآبتها، وجوها المرعب، أن قيل لي أنها لم تعد تستخدم في عمليات الإعدام. فبها مشنقة، وكل

3

3 فرق السلام الأمريكية أنشأها الرئيس جون كينيدي في 1961 من متطوعين من الشباب الأمريكي المؤهل للخدمة في دول العالم الثالث. - محمد البرواني

إلا أن ذلك الوضع أتاح لي فرصة لإقامة علاقة صداقة وثيقة مع فرد صار مفيدا للغاية بالنسبة لي في التواصل مع الخارج. وبواسطته استطعت توصيل مقالات كتبتها إلي الصحافة تفضح ظلم النظام الحاكم الذي يضطهدنا. ونشرت تلك المقالات في مناطق عديدة من العالم، وفى تنزانيا نفسها كان هذا الشاب الوطني والمخلص يوجه تلك المقالات إلى جهة النشر ويرسلها بالبريد، كما كان يفعل برسائلي الأخرى.

شكوت له من أن الصحافة تعج بتهم لا أساس لها ضدي، ولا ينهض أحد بمهمة تفنيدها. . اقترح علي كتابة مقالات لوضع الأمور في نصابها الصحيح. ووعد بأن يتولي هو كفالة اتخاذ ما يلزم لنشرها. عندها بدأت أكتب للصحافة، وأنا لا زلت في السجن. وأتذكر أنني في ليلة واحدة كتبت عشرين مقالة كل منها خاص بموضوع بعينه، ليتولي هذا الحارس الصالح إخراجها من السجن قبل الفجر وبعد قضاء شهر أو شهرين في تلك الزنزانة، نقلت إلي بالسجن حيث نزلت في أفضل زنزانة حللت بها علي مدى مدة سجني التي جاوزت العشر سنوات. كان لتلك الزنزانة نافذتان متقابلتان، إحداهما شرقية، والأخرى غربية، مما مكنني من رؤية طلوع الشمس وغروبها. وأمام الزنزانة ملعب كرة قدم تابع للسجن. وبدلا من الجردل الذي يقضي السجين حاجته فيه، كانت هناك دورة مياه مناسبة بصنابير. مياه وكانت تلك وضعية لا نظير لها في أي سجن من السجون الستة التي اعتقلت فيها. والأهم من كل

خر

579

578