الصراعات والوئام في زنجبار
الجزء ١ · صفحة ٢٩٤ذلك أن تواصلي مع نزلاء هذا القسم من السجن لم يكن موضعا لأية قيود. وأود الإشارة لبيان الحقيقة كاملة إلى أن سلطات السجن سمحت لي حين كنت نزيل زنزانة المحكومين بالتواصل معهم، في وقت لاحق.
وانضم إلي وأنا في سجن موانزا، أنانجيسي، الأمين العام لجمعية شباب حزب الاتحاد الوطني الأفريقي التنجانيقي، بتهمة التآمر لتنظيم تلك الجمعية عسكريا بهدف الإطاحة بحكومة نيريري. ويذكر أن هذا الشاب ينتمى إلى قبيلة النياكوسا، بجنوب تنجانيقا وهي قبيلة يكرهها نيريري وكان أنانجيسي وكثيرون من أبناء تلك القبيلة مثقفون على مستوى رفيع. وهو حاصل على بكالوريوس الاقتصاد من الهند. ذكرني بزيارته لي في بيتي بزنجبار حينما كنت وزيرا للتعليم، يوم أن عرفني عليه زميله بالكلية غسني محمد هلال الذي كان والده زميل دراسة لي في المدرسة الابتدائية. وأعجب أنا نجيسى أثناء تلك الزيارة، كما قال لي حين جمعنا السجن بسرعة استعانتي بالمصادر من وثائق ومراجع أوثق بها كل كلمة أنطق بها.
وكان هذا الشاب قد أتى إلي سجن موانزا مرحلا من سجن بوكوبا حيث كان برفقة مولد مشنجاما. وشغل أنانجيسي نفسه فترة وجوده بسجن موانزا في إعداد مخطط لكتاب يقترح فيه إحياء الاتصالات القديمة بين الشرق الأوسط وشرق إفريقيا. ولا أعلم إن كان قد طور تلك الفكرة في كتاب بالفعل. فلقد فقدت التواصل معه مع ترحيلى إلى سجن بوكوبا، حيث صرت أنا رفيقا لمولد مشنجاما.
رابعا: الحاج مصطفي
بينما كنا بسجن موانزا، اعتاد الحاج مصطفي، وهو واعظ مسلم زنجباري عجوز من أصل، قمري هاجر من مسقط رأسه في شبابه واستقر به المقام في نيروبي، علي المجئ إلينا في أيام الجمعة وإلقاء مواعظ علي مسامعنا وإمامتنا في الصلاة.
وفي وقت لاحق، انجذب هذا الشيخ إلي الوعظ بسجن موانزا، وانخرط وهو في السبعينيات من عمره بحيوية في الدعوة الإسلامية. وعلى مدى سنوات سجني التي تزيد على عشرة أعوام وفي كل السجون الستة التي سجنت بها، لم يأت أحد، غير هذا العجوز والمعلم عباس عبد الله من بوكوبا، لإلقاء مواعظ دينية إسلامية علي المسجونين المسلمين، أو لتطييب خاطرهم، وإرشادهم وتعليمهم أمور دينهم. وفي المقابل، كانت كافة تلك السجون تعج بالقساوسة المسيحيين والمبشرين البروتستانت من كل الطوائف. ولم يأتنا أي واعظ مسلم حتى في زنجبار، حين كان كل النزلاء تقريبا من المسلمين. وحده الأسقف البروتستانتي
الزنجباري هو الذي اعتاد زيارتنا من آن لآخر.
واقتصرت الحالات التي جاء فيها شيخ أو قاض إلي السجن علي الحصول علي موافقة رسمية" من الأباء المسجونين علي زواج بناتهن بالإكراه لأعضاء من الحزب أو بالحكومة. ولم يكن هؤلاء الشيوخ والقضاة يرون أي سجين آخر. فهم لم يأتوا بغرض الوعظ، ولا المواساة، ولا الإرشاد. وبفضل الجهود التي بذلها الحاج مصطفي، تم جمع أموال لبناء مسجد لحراس سجن موانزا وغيرهم من المسلمين المرتبطين به.
581
580