الصراعات والوئام في زنجبار: ذكريات علي بن محسن البرواني

الصراعات والوئام في زنجبار

الجزء ١ · صفحة ٢٩٥

ولم يكن الحاج مصطفي يستطيع المجئ إلي السجن مشيا علي الأقدام لكونه طاعنا في السن، ولا تتوفر له وسائل مواصلات أخرى، غير استجداء توصيلة مجانية، أو دفع أجرة، رغم فقره السائق تاكسي. ولكنه كان يحضر بانتظام شديد مرة كل أسبوع وفي عيد الفطر. وكان يأتي معه يوم الاحتفال بالمولد النبوي بمجموعة من الصبيان من تلاميذ إحدى المدارس الإسلامية لإحياء تلك المناسبة بقصائدهم الدينية.

ورغم أن مدير سجن موانزا كان رجلا متغطرسا يتعامل مع النزلاء بخشونة، فإن كبير ضباطه، وكل العاملين معه كانوا على خلق ويراعون مشاعر الآخرين. وأود الإشارة إلي أن محمد أحمد الكنعاني من مافيا، كان هو كبير ضباط السجن. وكان خاله الطيواني عمل مترجما في محكمة تشاكيشاكي ببيمبا. ونتيجة تلك العلاقة حصل محمد علي الشهادة الابتدائية من مدرسة في بيمبا حين كان الشيخ محمد رمضان نياما شامتي ناظرا لمدرسة تشاكيشاكي. وهذا الضابط الكبير هو الذي أوصى لدي مدير السجن بنقلي إلي سجن بوكوبا لكي أكون برفقة زميلي مولد

مشنجاما.

خامسا: سجن بوكوبا

تلقيت وأنا في سجن بوكوبا النبأ الحزين المفجع الخاص بوفاة والدتي. وصلني هذا النبأ تلغرافيا. وتوفي أخي الأكبر الذي كان بمثابة الوالد بالنسبة لي، أيضا، وأنا سجين نيريري في هذا السجن. وفي ظل هذه الأوضاع غير الطبيعية قد يفقد المرء الإحساس بالغضب تجاه من ذاق الويلات علي أيديهم بلا رحمة ولكنه لا يستطيع أن ينسى الإحساس بالحزن حقيقة أنه في ظل

ظروف الحرمان من أدنى حقوق الإنسان، وهو أن تكون بجوار

أمك أو أخيك، وهو يحتضر، فإن الإحساس بالحزن يغلبك، ويذهلك، ويصرعك

وصلت إلي هذا السجن في أول المساء، وكان كل النزلاء في زنزاناتهم وتقرر نزولي في الزنزانة التالية لزنزانة مولد مشنجاما. وبينما كنت واقفا هناك سمعت صوت المؤذن لصلاة المغرب آتيا من داخل مجمع السجن. استفسرت من مولد مشنجاما، وعلمت منه أن جماعة من المسجونين المسلمين يقيمون صلاة جماعة. كانت هذه أول تحية أتلقاها في هذا السجن. وكان ذلك بمثابة فأل طيب بالنسبة لي. فلقد لاحظت وأنا في سجن موانزا أن من بين نزلاء السجن أبناء قبيلة الهايا من بوكوبا كانوا أكثر استنارة في

أمور الإسلام، بالمقارنة بمن هم من مناطق أخرى. وكنت أظن قبل ذلك أن منطقة بوكوبا مسيحية عن بكرة أبيها. ولكن

أنا نجيسي الأمين العام لجمعية شباب حزب الاتحاد الوطني الأفريقي التنجانيقي، وهو مسيحي ملتزم، نزيل سجن بوكوبا أخبرني أن الإسلام بدأ ينتشر في أوساط تلك المنطقة، ويحرز تقدما سريعا. والآن ينشرح صدري داخل هذا السجن بأن يكون أول ما أصادفه فيه هو آذان صلاة المغرب.

كان سجن بوكوبا وحدة صغيرة، يستخدم فحسب للمحبوسين احتياطيا، بينما نقل المسجونون الذين ينفذون أحكاما قضائية، إلي سجن جديد أكبر في كبنجوريا الواقع علي بعد كيلومترات من المدينة. ولم يحتفظ في هذا السجن إلا بعدد يسير من المسجونين المدانين لأغراض النظافة والطهي والحياكة وسجنت أنا ومولد كل علي حدة في زنزانتين متجاورتين وزودونا بسرير وكرسي

583

582