الصراعات والوئام في زنجبار: ذكريات علي بن محسن البرواني

الصراعات والوئام في زنجبار

الجزء ١ · صفحة ٢٩٦

وهو ما يعتبر بمثابة رفاهية غير عادية في السجون التنزانية. إلا أن الكرسي كان بدون وسادة. وكنت أطبق بطانية، وأضعها عليه حين أريد استعماله. وكان مسموحا لنا بالاختلاط دون أية قيود مع المحبوسين احتياطيا بالنهار، لأن حراسهم كانوا معهم في ذات مكان الحجز. وكان المحبوسون المسلمون مجمعون في جناح واحد لتيسير أدائهم الصلاة في جماعة، وتناول طعام الإفطار

الرمضاني معا في شهر الصيام.

وحين رأيت مولد مشنجاما يصلى منفردا، سألته عما إذا كان ممنوعا علينا الصلاة مع الجماعة. أجاب بالنفي. ومن هذه اللحظة، بدأت أنا وهو نصلي مع الجماعة في صلاة الظهر والعصر والمغرب وصرت أنا إمامهم في الصلاة. وبعد الصلاة كنت ألقى موعظة قصيرة في موضوعات متعددة في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية. وأدى ذلك إلي إثارة الاهتمام والحماس بين المسجونين. وبدأ بعضهم يأتون إلي زنزانتي، ويجلسون علي السرير والكرسي، أو حتى علي الأرض، لمناقشة موضوعات شتى وامتد الاهتمام بتلك الدروس إلى غير المسلمين نزلاء الزنانين القريبة الذين كان بوسعهم سماعها.

ولا حظت بعد زيارة مبشرين مسيحيين أيام الأحاد، علي وجه الخصوص، أن أسئلة كثيرة تطرح علي بخصوص الموعظة التي قدموها. وأثارت الأحاديث التي كنا نسمعها من إذاعة صوت الإنجيل من الراديو الترانزستور الذي كان بحوزتي أسئلة كثيرة من المستمعين المسيحيين وكنت أحاول قدر استطاعتي الإجابة تلك الأسئلة مستعينا بالكتاب المقدس الذي كان لدى نسختين منه بالإنجليزية والسواحيلية. ورويدا رويدا، بدأ أصدقائي

المسيحيون يدركون أن ما يقوله لهم وعاظهم ليس مطابقا لما جاء في الكتاب المقدس علي الدوام من جهة، ويدركون من جهة أخرى أن ثمة وشائج بين القرآن والكتاب المقدس، أعمق مما كانوا يعتقدون في ضوء ما تعلموه من كنائسهم. ثم بدأت أفواج من عناصرهم الشابة تبدي رغبتها في اعتناق الإسلام بشكل

مطرد.

ومن الأمور ذات الدلالة الخاصة أن شهر رمضان كان يشهد أكبر اندفاعة لاعتناق الإسلام. ذلك أن النظر إلي شهر الصيام على أنه شهر نكران للذات وليس مجرد امتناع عن الطعام والشراب، كانت له جاذبيته الأسرة، لدى أولئك النزلاء المتعطشة نفوسهم للقيم الروحية. وقال عدد منهم أن الديانة التي لا تطلب من أتباعها، ما هو أكثر من الإيمان غير المبني علي دليل قاطع ديانة لا تناسبهم. رأونا نلتقي علي الصلاة خمس مرات كل يوم، وندخل بعدها في نقاش حر لمشكلاتنا الدينية والاجتماعية، طيلة شهر رمضان ممتنعين طواعية عن الطعام والشراب من الفجر إلى الليل حتى ونحن نعاني من مشاق الاعتقال. وخلصوا إلي أن هذا هو الدين الحق. والأهم مما سبق أنهم رأوا كيف نحيا أنا ومولد مشنجاما في علاقة ودية مع الجميع. ومكثت في هذا السجن عامين ونصف العام. ووفق الله تعالي أكثر من ثمانين من نزلائه ممن تتراوح أعمارهم بين السابعة عشرة، والثلاثين إلي اعتناق الإسلام علي يدي، كلهم إما من الكاثوليك أو من البروتستانت، عدا أربعة وثنيين. وساعدتهم علي تلاوة القرآن باللغة العربية، مستعينا بمنهج ابتكرته لتعليم القراءة والكتابة بها في غضون أسابيع. بل

585

584