الصراعات والوئام في زنجبار: ذكريات علي بن محسن البرواني

الصراعات والوئام في زنجبار

الجزء ١ · صفحة ٢٩٧

إن أحد الأذكياء منهم استطاع أن يقرأ القرآن بالعربية في غضون

خمسة أيام فقط.

وذات يوم جمع مدير السجن كل النزلاء باستثنائي أنا ومولد في مبنى آخر من مباني السجن، مما أثار تساؤلات لدينا. ولما عادوا أخبرونا أن المدير قال لهم: أنتم ترون هذين الشيخين. نحن لا نحترمهما لأنهما كانا وزيرين، إذ أننا لا يهمنا منصب أحد، ولا ماذا كان وهو خارج السجن. فنحن نعامل الناس وفق سلوكياتهم هنا داخل جدران السجن. وهذان الشيخان يحترمان نفسيهما. فإن أحسنتم السلوك سنحسن معاملتكم. كان هذا هو مدار حديثه.

وكان من بين المحبوسين احتياطيا شاب توتسي من بورندي هرب إلي تنزانيا من الأعمال الوحشية التي يرتكبها الهوتو وعمل خادما بمنزل صاحب متجر هندي ليكتسب ما يقيم أوده. وانتقل من تلك الوظيفة إلى وظائف أخرى مماثلة. ونصحه صديق عربي شاب بأن يعمل بالتجارة، ليتمكن من الاستقلال والاعتماد على نفسه واقترح عليه العمل كبائع للقهوة في شوارع بوكوبا. وأقنع ذلك الشاب والده بإقراض مبلغ من المال لذلك الشاب التوتسي ليشتري متطلبات عمله هذا من براد وأكواب وما شاكل ذلك. قال الأب العربي أنه سيعطيه المبلغ المطلوب بصفة قرض ليعلمه عدم الاعتماد علي الهبات

لم يمر وقت طويل قبل تمكن ذلك الشاب التوتسي من سداد القرض، وشراء عربة يد صغيرة يمكنه أن يضع عليها المزيد من الأكواب وبعض الفطائر. وحقق نجاحا ملحوظا في عمله. إلا أنه دخل السجن علي سبيل الحبس الاحتياطي بسبب اتهامه بالتورط في مشاجرة. وكان هذا الشاب كاثوليكيا معمدا، ولكنه كان مهتما

بالإسلام، ولديه تساؤلات بحاجة إلي توضيحات، ساعده ارتباطه

بي فترة وجوده بالسجن علي التوصل إلي إجابة عليها، فاعتنق الإسلام. ونجحت من جانبي في تعليمه القراءة باللغة العربية. وانتهي الأمر بتبرئته من التهمة التي سجن بسببها. وبعد سنوات تلقيت رسالة منه أثناء إقامتي بالقاهرة علمت منها أنه انتقل إلي موانزا وتزوج ورزق بثلاثة أولاد، وساعد عدة أشخاص علـ اعتناق الإسلام. وأكد في خطابه أن كل ما ناله من خير، كان بسبب لقائنا به في سجن بوكوبا. وبينما كنا نصلي ذات يوم رأيت شابا يبدو من سيماه أنه زنجباري. ولما سألته عن اسمه وأجاب الأمين، ازدادت ثقتي بأنه على الأقل سواحيلي. ثم قال لي أنه توتسي من بوروندي، وأن والديه قتلا، وفر هو وأختيه إلي تنزانيا وانتهي به المقام في قرية يعيش فيها بعض الفقراء المسلمين، الذين رحبوا به، وشاركوه في القليل الذي رزقهم الله به. وفي ضاحية قريبة، كان هناك أناس كاثوليك علي ديانة هذا الشاب التوتسي، يعيشون في بحبوحة ولكنهم لم يقدموا أي عون للاجئين. ولما رأي ذلك الشاب لأول، مرة، المسلمين يعيشون وكأنهم أخوة أشقاء، قرر حسب قوله: "الانضمام إلي "حزبهم المتمثل في جماعة زادها هو العون المتبادل. وكانت تلك هي الطريقة التي دخل بها هو وأختيه في الإسلام وتعلم كيفية الصلاة، وكيفية تلاوة القرآن.

وكان معنا بالسجن شاب من قبيلة الهايا، يدعى جسباري، في أوائل العشرينيات من عمره بالغ الوسامة والأناقة. ذاق مرارة السجن أول مرة بسبب احتجاجه علي تخطي سيدة لدورها في الصف في إحدى المستشفيات، تصادف أن كانت زوجة مسؤول

587

586