الصراعات والوئام في زنجبار: ذكريات علي بن محسن البرواني

الصراعات والوئام في زنجبار

الجزء ١ · صفحة ٣٠٠

ولم يكن ذلك القاضي علي علم يقيني بسبب اعتقاله، ولكنه كان يخمن سببين، أولهما: إصداره حكما بالبراءة لبعض الآسيويين كانوا قد اتهموا بجرائم تتعلق بجوازات السفر، لعدم توفر دليل إدانة كاف. وضايق هذا الحكم نيريري بشدة وسمعته يصوب في كلمة مذاعة جام غضبه وسخطه على أولئك " القضاة المغرورين بأنفسهم، لكونهم تعلموا في انجلترا، ويصممون علي ما يسمونه عدم كفاية الأدلة".

أما السبب الثاني الذي يظن ناكنجا أنه وراء اعتقاله، فهو حضوره بالمحكمة أثناء ما يسمى "محاكمة" الخونة" بيبي تيتي وتشيباكا، مع أنه كان في أجازة. وكل ما في الأمر، أنه حضر من باب الاهتمام بتلك القضية لكونها غير عادية، وأمضى وقتا طويلا بالمحكمة يتابع وقائع المحاكمة. وكانت النتيجة أن شكوكا ساورت، نيريري في أنه يعاون محاموا الدفاع بمشورته

القانونية.

ويقول ناكنجا أن ما تصوره نيريري نسج خيال، لأن المحامين كانوا أكثر كفاءة منه، وأكثر خبرة وتمرسا بمهمتهم ولكن هذا ماحدث. فعقل أي طاغية زائغ ولا يمكن التنبؤ بطريقة تفكيره. وهو لا يكتفي بالقوانين التي ابتدعها، التي تصاغ مشاريعها تحت إشرافه، ويصدرها برلمان أعضاؤه من اختياره ولا بكون التحقيقات والادعاء يتمان علي يد وكلائه الشخصيين، ولا بأن المحاكمات تتم بمحاكم طوع بنانه. فهو مع هذا كله، لا يزال يعتقد أن الأمور لا تسير تماما علي النحو الذي يريده. ومن هنا فإنه يضيف إلي كل ما سلف تدعيم سلطته التي هي همه الأول

والأخير، بما يسميه: الاعتقال الوقائي. وبموجب ذاك المسمى قانونا، سجن نيريري ناكنجا القاضي المقيم بدار السلام.

أما القسيس فهو نيافة بنتاليو راعي الكنيسة اللوثرية في بوكوبا، والذي ارتكب هو الآخر جريمتين لا تغتفران في نظر نيريري ولا يعرف هو ولا أنا علي سبيل اليقين أيهما هي السبب في اعتقاله. كان من قبل يتبع الكنيسة الكاثوليكية، التي ينتمي إليها نيريري ثم تحول إلى البروتستانتية اللوثرية. إلا أن هذا التحول تم من أمد بعيد. ومن الصعب، بالتالي، الجزم بأنه هو السبب في وضعه علي القائمة السوداء. بيد أن ثمة خيوط تلمح إلي العكس. فلقد أشار زبانية نيريري المناظرين للبوليس السري النازي، وهم يستجوبون ذلك القسيس إلى أنه: "خائن" للكنيسة الأم التي عمد فيها ". أما السبب الثاني الأرجح لاعتقاله فهو: اكتشاف أنه كان يراسل أوسكار كامبونا العدو الأكبر لنيريري، الموجود في نفي اختياري بالمملكة المتحدة.

ساد وفاق حميم بيننا وبين المعتقلين الجديدين. وتشاركنا معهما في زنزانة واحدة كبيرة ملحق بها دورة مياه تتوفر فيها إمكانية الخصوصية، علي نحو غير مألوف في السجون التنزانية. والحق أن ظروف الحياة فى سجن بوكوبا كانت أفضل بالمقارنة ببقية السجون. فلقد كان بوسعنا مخالطة المسجونين الآخرين، والعيش في نفس المجمع، بحيث لا نفصل عنهم إلا في الليل. زد علي ذلك أن سلطات سجن بوكوبا يحترمون توصيات الأطباء الذين يزورون نزلاء السجن، ويولونها اهتماما كبيرا على العكس من أودينيو مدير سجن موانزا.

593

592