الصراعات والوئام في زنجبار: ذكريات علي بن محسن البرواني

الصراعات والوئام في زنجبار

الجزء ١ · صفحة ٣٠١

وبناء على ذلك، كان يصرف لنا بيضة وقطعة جبن بوجبة الفطور يوميا لاستكمال معدل وزننا الطبيعي. وكانوا يقدمون لنا عادة أنواعا لذيذة من أسماك بحيرة فكتوريا القريبة شبيهة بسمك الشعري التي كنا نأكلها في زنجبار. وكنا نزود على الدوام بسباطة من الموز الطازج مع إمدادنا بواحدة جديدة كلما فرغ ما لدينا. وعلي العكس من كل السجون الأخرى، لا توجد جدران خارجية محيطة بزنزانات السجن، بحيث أنه لو قدر أن خرق سجين جدار زنزانته، فإنه يصير خارج السجن. وبدا لي أنه بحكم وجود هذا السجن علي بعد خمسة وخمسون كيلومترا فقط من الحدود مع أوغندا، فإن الحرية باتت في متناول اليد أكثر من أي سجن آخر.

وبمجرد وصولي إلي هذا السجن سألت زميلي مولد مشنجاما عما إذا كان قد سبق له التفكير في الهرب. أجاب بالنفي، رغم وجوده بهذا السجن بشكل متواصل لمدة تربو علي خمسة أعوام. والواقع أنه باستثناء، جسباري، ونزيل آخر أو نزيلين، لم تكن له صلة تذكر ببقية النزلاء. فلقد كان من النوعية التي تكتفي بالتواصل مع نفسها. فبوسعه أن يجلس متأملا ساعات في ممارسة اليوجا.

أما أنا فكنت علي النقيض من ذلك تماما، منبسطا وودودا واجتماعيا، وقادرا علي تأسيس تواصل وصداقة في زمن لا يذكر. وساعدتني تلك الخصال علي تحقيق أفضل الممكن في كل الظروف التي مرت بي. وفي نفس الوقت، فإنني كنت أستكشف السبل التي يمكنني بها تحرير نفسي من السجن. ورأيت أنه من غير المستساغ أن أنتظر إلي أن يفكر أعدائي في إطلاق سراحي. وأردت أن أحرر نفسي. ورسمت بالاستعانة بمرآة صورة

بارزة لي من العظام المهشمة، وكتبت تحتها مقولة لشكسبير "الجدران الحجرية لا تصنع سجنا، ولا القضبان الحديدية تصنع

قفصا ".

وحينما تم إطلاق سراحي، في نهاية المطاف، أخذت سلطات السجن هذه الصورة وصورا أخرى مماثلة تصور حياة السجن بينها صورة لألفونسو، وأخرى لهنجو وكل منهما مصفد القدمين بالسلاسل. وقال مدير السجن أن تلك اللوحات تقدم صورة غير

مقبولة لحياة السجن. وتعجبت قائلا: "أليست هذه هي حقيقتها؟ أطلقت السلطات سراح نيافة الراعي القسيس قبلنا. وبعد ذلك بشهور جرت محاولة لخرق جدران زنزانتنا. ولسوء الحظ، أن من حاول ذلك لم يكن متمرسا، فأحدث ضوضاء كبيرة أثناء محاولته خرق الجدار. فتنبه الحارس، وأبلغ رئيسه الرقيب المسؤول عن الحراسة بالقطاع، فأطلق ذلك الرقيب، الذي كنا علي وئام معه رصاصة تحذيرية في الهواء، ولاذ من كان سيحررنا بالفرار. ونقلونا في ذات الليلة إلي زنزانة أخرى بمبنى داخلي وبعد أيام قليلة نقل كل منا إلى سجن آخر. أعادوني إلي سجن بوكوبا ثم إلى سجن دودوما. ولم أكن قريبا من الحرية مثلما كنت في بوكوبا حيث لم يكن يفصل بيني وبينها غير جدار بسمك خمسة عشرة سنتيمترا. ولكن مشيئة الله أبت تحقيق ذلك. وللمرة الخامسة باعت

محاولتي الفرار من السجن بالفشل. ومع ذلك لم أستسلم.

ولم تعرف السلطات على نحو يقيني من يحاولون إطلاق سراحنا. ومع ذلك، فإن السلطات ألقت القبض علي القس الراعي وابنه الذي كان في أجازة من دراساته في إحدى الجامعات الأمريكية.

595

594