الصراعات والوئام في زنجبار
الجزء ١ · صفحة ٣٠٤حار، تحت رؤسهم المنكسة. وفقد ناصر منصور، أحد الضحايا نظره نتيجة تلك المعاملة، وأفاد طبيب صيني بالمستشفي الحكومى بزنجبار بأنه لن يبصر مرة أخرى إلا انه استرد بصره بمعجزة إلهية بعد حين عذبوه بغمره في الماء ليلا ونهارا حتى صدره علي مدى عدة شهور، مما أصابه بشلل جزئي. بل ثمة
شائعة تفيد أن علي محفوظ اعتقل والدته، ولكنها غير صحيحة.
أما الصحيح فهو أنه اعتقل محمد سالم جينجا خال زوجته ولقي محمد سالم جينجا ووالد حمود حتفهما على يد نظام الحكم الثوري الزنجباري. واغتال النقيب حمود، كارومي، للثأر لمقتل والده. وتعرض بعض "الرفاق" للتصفية الجسدية، بنفس الطريقة التـ
صفوا بها من يسمونهم المناهضين للثورة.
ولم أحاول إثارة خلافات مع علي محفوظ. فأيا كان الأمر، فإننا صرنا في سفينة واحدة. وبات لزاما على كل منا أن يتحمل عيوب الآخر. ولكنني كنت في بعض الحالات أعجز عن تحمله،، كما حدث ذات مرة يوم 12 يناير ذكرى الإطاحة بحكومتنا. فلقد واصل من يوم قدومه ارتداء زيه العسكري السابق بعد أن أزيلت منه الكتفية، والأزرار النحاسية. وفي تلك المناسبة، ارتدى زيه المكوي، وبدأ يغني أغانيه "الثورية". ويحكى بشماتة كيف نهبوا مخازن السلاح بثكنات الشرطة، وقتلوا كل من كان في طريقهم، بالمناجل والسهام، والبنادق.
حاولت بكل ما لدي من طاقة ضبط النفس، ولكنني في النهاية لم أتمالك أن أصيح عليه قائلا: "لماذا تتعمد جرح مشاعرنا؟ إن لم تكن نادما علي قتل شعبك وتدمير بلدك، فإنني لا زلت أشعر بالألم حين يذكرني أحد بتلك المأساة. هل دورك في تلك المذابح
شئ يفتخر به؟ ألا تشعر بالعار؟ كان هذا كافيا لإسكاته. والحق
أن كل الحضور - حراسا ونزلاء - فزعوا من بجاحته، التي كان من الممكن أن تكون كوميدية لولا تعلقها بموقف مأسوي.
باختصار كان الرجل مريضا.
ذات يوم زارنا مسجل المحكمة، بصحبة نائب مدير السجن. وطلب منا الاصطفاف. وكعادتي وقفت مع إخوة معتقلين تصادف أن كانوا من قبيلة الهيهي من إيرنجا. أما على محفوظ فوقف أمامنا جميعا بجسمه الضخم، وبطنه الناتئة من زيه العسكري السابق الذي لم يعد ملائما له وقدمه نائب مدير السجن للمسجل علي أنه: "المقدم محفوظ". وبسرعة الطلقة، جاء
التصحيح من علي محفوظ: "العقيد من فضلك".
وبعد مغادرة الزائرين، وحينما أصبحنا بمفردنا، قلت له: "الإجابة الصحيحة، التي كان يجب عليك طرحها هي أنا مجرد سجينك". تلك هي الطريقة المناسبة لتصحيح ما قاله فالغرور الذاتي ليس جزءا من ثقافتنا الزنجبارية ". ولكن كلامي هذا لم يؤثر فيه بقليل
أو كثير. رد: بقوله: هذه هي طريقة التعامل التي تنفع مع أمثال هؤلاء. أنا أعرفهم". لم أشأ أن أجادله. فلعله يعرف بمرور الوقت، أنه بقدر محاولته التكلف في الحديث عن نفسه، بقدر تذكيره بأنه مجرد سجين. وبعد تلك الواقعة بقليل كتب علي محفوظ التماسا مطولا للرئيس نيريري، يرجوه أن يطلق سراحه، وأطلعني علي مسودته. اقترحت عليه تعديلات معينة، ولكنه رفضها. وجاء الإلتماس مفرطا في التأنق البلاغي، وفي المداهنة، وفي الخنوع بينت له أنهم معشر الماركسيين هم أصحاب شعار: "التاريخ سينصفنا".
601
600