الصراعات والوئام في زنجبار: ذكريات علي بن محسن البرواني

الصراعات والوئام في زنجبار

الجزء ١ · صفحة ٣٠٥

فماذا سيقول التاريخ بشأن مثل هذا الإلتماس الذليل من عقيد؟ قلت له أنني ثمرة التعليم البريطاني. ولقد تدربنا علي أن نكتب في مثل هذه الحالات المختصر المفيد، ونذكر الحقائق، ونتركها تتحدث عن نفسها بنفسها. وعلي المرء أن يتذكر علي الدوام أن التماسه قد ينشر يوما ما، وعليه أن لا يقول في السر ما يتحرج من أن يذكر في العلن.

إلا أنه تشبث برأيه، وقدم خطابه إلي مدير السجن للموافقة عليه وفق التعليمات، قبل أن ينسخه الموظفون علي الآلة الكاتبة، ويعيدونه إلي كاتبه للتوقيع عليه. ومر وقت طويل للغاية دون أن يوافق راشد توفيق مدير السجن على خطاب الإلتماس إلي أن نفذ صبر على، محفوظ، وطلب بقوة مقابلته. وأخيرا سمحوا له

بمقابلته.

أمسك راشد توفيق مسودة الخطاب في يده، ووجه حديثه إلي علي محفوظ: قائلا: "انظر إلي هذه. إنك كتبت كلاما فارغا هنا وهنا وأخذ وهو يتكلم ينتقل من فقرة إلي أخرى إلي أن بلغ به السخط في النهاية، حد تمزيق الخطاب إربا، وإلقاء قصاصاته في سلة المهملات، قائلا: "هذه رسالة سخيفة. ولو وافقت علي إرسالها، سأعتبر أحمق أنا الآخر. إخرجوه من هنا". وأمر الحارس أن يعيد علي محفوظ إلي زنزانته. عاد وهو يغلي من الغضب، وكل جسده يرتعش وهو يقول متوعدا: "سيرى سيرى" قلت له: "ماذا سيرى؟ هو السجان وأنت مجرد سجين. " كان هذا هو على محفوظ هو باختصار شخص مختل العقل. أليسوا كلهم شواذ مأفونون، أولئك الذين يقتلون ويغتصبون ويعذبون، ويسجنون

ويُهجرون مواطنين أبرياء، ويُصادرون الممتلكات، من أجل إقامة مجتمع مساواة مزعوم؟ زار راشد توفيق زنزانة على محفوظ، فوجده قد كتب على جدرانها بخط جميل بالقلم الرصاص مقولات مأثورة عن كارل ماركس ولينين، وماوتسي تونج وفيدل كاسترو ونيريري، وكارومي. ذهل توفيق، وصاح قائلا: أزل" هذا. ماذا دهاك أيها الرجل؟ هل أنت مخبول؟ تقتل رجلا، ثم تتظاهر بأنك تقتبس مقولاته؟ " وهنا تولي محفوظ بنفسه تنظيف زنزانته من القذورات التي اختطها علي جدرانها، ظنا منه أنها ستشفع له لدي السلطات.

علي

:ثامنا أبناء قبيلة الهيهي وغيرهم

لما أعادوني إلي سجن دودوما عام 1972 بعد فشل محاولة الفرار من سجن بوكوبا، رأيت عشرة مزارعين من قبيلة الهيهي من إسماني إيرنجا، من بينهم عبد الله موانيدي الذي أطلق

الرصاص علي الدكتور كليرو مفوض إقليم ايرنجا، فأرداه قتيلا.

شعرت في أعماقي بتعاطف فطري متأصل تجاه أولئك المعتقلين. فهم مثلي، صودرت مزارعهم على يد طغاة، خدمة لأحد صنوف ما يسمى: الإشتراكية. وعلاوة علي ذلك، فإن كبيرهم آدم سابي كان زميل دراسة في ماكيريري، رغم أنه التحق بها بعد تخرجي فيها. وكان عم والدتي العظيم روماليزا حليفا لجده مكواوا زعيم قبيلة الهيهي، في حربه ضد المستعمرين الألمان. وحينما كنت في دودوما كان شيخ منطقة ايرنجا هو حارث خلف أحد طلبة والدي وموضع رعايته، حيث تربى في بيتنا. ومن هنا كان هناك قاسم مشترك كبير يربطنا بهم بوصفنا جميعا ضحايا قهر نيريري

603

602