الصراعات والوئام في زنجبار: ذكريات علي بن محسن البرواني

الصراعات والوئام في زنجبار

الجزء ١ · صفحة ٣٠٧

مسيحيين، معمدين فإنها لم يكن في قلبيهما ذرة إيمان. ومن هنا فإنهما تأثرا بالنذر القليل الذي عرفاه عن الإسلام نتيجة العيش معي، وقالا أنهما لم يكونا يعرفان أن هناك أحد غير هندي يدين بالإسلام وكان اعتقادهما أن الإسلام كالهندوسية ديانة قاصرة علي الآسيويين. وقالا إنه إن دعي إلي الإسلام على يد أناس سود في جنوب إفريقيا، فإن دعوتهم ستصادف قبولا واسعا لأن المسيحية فشلت في معالجة المشكلات التي تواجه السود.

وتلقيت رسالة مماثلة من شاب من قبيلة الماساي محبوس حبسا احتياطيا بتهمة سرقة مواشي. وكان هذا الشاب الذي درس حتى المستوى الثاني بالمدرسة الثانوية خارق الذكاء. علمته فترة انتظاره للمحاكمة، كيف يقرأ ويكتب الأبجدية العربية، كما شرعت في تعليمه اللغة العربية ودرست له في الفترة التي انقضت حتى تمت تبرئته وإخلاء سبيله، كتابين في القراءة العربية. ورغم أنه لم يعتنق الإسلام، رسميا، فإنه كان يميل إلي اعتناقه، ويقول أن قبيلة الماساي لو تعرفت على حقيقة الإسلام لاعتنقه الكثيرون من. أبنائها. وأضاف أن الإسلام ليس نقيضا صارخا لتقاليد الماساي علي العكس من المسيحية. ولا غرابة في ذلك. فالقرآن يصف الإسلام علي أنه دين الفطرة التي فطر الله الإنسانية عليها

6

يشير بذلك إلى قول الله تعالى: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ" الروم 30 - المترجم.

الفصل الثاني والعشرون

العتق من المعتقل

أولا: الإفراج وجولة محزنة في زنجبار وبيمبا استدعيت يوم الثلاثين من إبريل 1974 إلي مكتب مدير سجن دودوما. أبلغني أنني علي وشك الترحيل إلي دارالسلام، ولكنه

يضع المؤلف القارئ في هذا الفصل أمام إضاءة معرفية عميقة، ومقنعة لحقيقة أن القهر الذي جلبته أيدلوجيات سياسية مستوردة مثل الاشتراكية الماركسية إلى مجتمعاتنا، لم يقف عند حد تعميق الصراع والطائفية، وانتهاك حقوق الإنسان، وفتح السجن على مصراعيه، وكأنه القبر، لا ينجو منه أحد إلا إلى حين، وغرس الشك والريبة بين أبناء الوطن الواحد، وحتى بين أتباع الاتجاه الفكري الواحد، بل طال ضرره الحيوان والزرع والحجر. ويبين المؤلف أن السجانين أنفسهم ينقسمون إلى نوعين: أناس ساديين يفاقمون الظلم الذي أوقفهم رؤساؤهم على إنزاله بالبشر، وهم بحمد الله قلة وإن كان شرها مستطيرا، وبين أناس يجعلون أجسادهم مع الحاكم الظالم،، وروحهم وقلوبهم وعقولهم مع إخوانهم المعتقلين، ويسهمون بإنسانية رفيعة في التخفيف عنهم، وحفظ آدميتهم وغرس الأمل في نفوسهم. ويؤشر هذا على أهمية تنشئة من يعملون في أماكن الحجر على الحرية هذه على القيم الدينية، وعلى نبذ الظلم، وجعل اليسر مع العسر، وتجنب جعل

العسر عسرين.

ويسلط هذا الفصل أضواء باهرة على حقيقة أنه لم يكن هناك أي مقابل للقهر المادي والنفسي باسم السراب الاشتراكي، ولو على مستوى هذه الحياة الدنيا. ولم يقف لهيبه عند حد الرافضين له، بل طال المصابين به أيضا، فقتل بعضهم بعضا، وسجن بعضهم بعضا.

ويطوف المؤلف بنا في الجولة التي أراد النظام الاشتراكي الحاكم الذي سجنه، وأبعده هو وأمثاله عن سدة الحكم، أن يبرهن له لدى إطلاق سراحه على ما أحرزه من تقدم، كاشفا خواء مبدأ المساواة الاشتراكي من أي مضمون إيجابي قيميا كان أم ماديا. وهو درس لم نشاهده في التجربة الزنجبارية وحدها، بل رأيناه في المنظومة الاشتراكية الأوربية السابقة برمتها، وفي كثير من تجارب التنمية في بلادنا الإسلامية - المترجم

607

606