الصراعات والوئام في زنجبار: ذكريات علي بن محسن البرواني

الصراعات والوئام في زنجبار

الجزء ١ · صفحة ٣٠٨

أضاف: "لدي تعليمات بأن أستفسر منك عما إذا كنت تفضل الانتقال إلي العاصمة كان ردي عليه: "أفضل البقاء هنا لأن درجة الحرارة، وكذا نسبة الرطوبة ليستا عاليتين، ولا يوجد بعوض. وأنا أكره البعوض ". رد بقوله: "ولكنك هنا معرض لأن تنساك السلطات. وهناك ستكون قريب منها، ويزداد احتمال تفكيرهم في إطلاق سراحك".

قلت ربما. ولكن الله موجود في كل مكان، واعتمادي عليه وحده لا شريك له. ومع ذلك فإنه من الأيسر في الحقيقة لأقاربي وأصدقائي أن يزوروني في دارالسلام بالمقارنة بزيارتهم

لي هنا".

عندها تحدث المدير بابتسامة راضية قائلا: "الحقيقة أنك ستغادر إلي دار السلام لإطلاق سراحك.

وجاء الفرج علي لسان هذا المدير الذي كان مسؤولا عن سجن بوكوبا طيلة العامين اللذين قضيتهما بين جدرانه، ولم أر منه غير العطف والاحترام. وحتى حينما جرت محاولة لنقب جدار زنزانتي في سجن بوكوبا، لم نر منه أدنى تأنيب باللعنات البيروقراطية

المعتادة، بل ظل يعاملنا باحترام إلي أن رحلنا إلي سجون أخرى.

وفي سجن دودوما الذي نقلت أنا وهو لاحقا إليه، جرت محاولة أخرى للهروب تشملني. فلقد حاك صديقى القديم تشيباكا وأحد إخوة موانجيسي خطة للهروب من السجن. كانا نزيلين في قسم آخر من السجن بصفتهما ضمن من ينفذون أحكاما صادرة. بحقهم أما أنا فكنت محبوسا بقسم يخضع لإجراءات أمنية مشددة. ورغم ذلك استطعنا أن نتواصل عبر المسجونين القائمين

بأعمال النظافة، الذين بوسعهم بحكم المهام المكلفين بها، أن يتحركوا بين كل الأقسام. رية بسلم رسم روما وجرى التفكير في الاستعانة بمدد خارجي يتكون من مجموعة صغيرة من الرجال المسلحين ذوي العزيمة الثابتة في شن هجوم مباشر لإخضاع حارس القطاع. ولم أكن أعلم بتفصيلات تلك العملية. ولم أجد ضرورة للاستفسار عنها. كل ماعرفته أن زميلاي سيتحملان المسؤولية الكاملة عن تحرير نفسيهما، وأنا، معهم حتى إخراجنا خارج حدود تنزانيا. وعندها، سأتحمل المسؤولية، وأبحث عن أي دولة عربية يمكن أن تمنحنا حق

اللجوء السياسي.

وليلعب الحظ العسر، دوره انحرفت مذكرة كان من المزمع توصيلها إليّ، ووصلت إلي يد مدير السجن. علي إثر ذلك نقل تشيباكا وموانجيسي إلى زنزانات العقاب والحبس الانفرادي. ولم تصدر عن ذلك المدير أية بادرة تشير إلي أنه علم بتورطي في تلك المحاولة، إلي أن هدأت الأمور تماما، ثم قال لي بشكل عابر يا شيخ حاول البعض تهريبك من السجن". تظاهرت كما لو أن تلك هي أول مرة يترامى إلى مسامعي مثل هذا الكلام، وتساءلت: "إلي أين كانوا سيأخذوني؟ " أجاب: "لا أعلم، ربما إلي بلد عربي" قلت: "كيف كانوا سينقلونني؟ " أجاب: "ربما" بطائرة عمودية". قلت: "هؤلاء" حشاشون قطعا". وافقني قائلا: "تعم حقا. لو كنا حمقى وصدقناهم، كنا تسببنا في متاعب جمة

لأبرياء، لا ضرورة لها ".

ومما لاريب فيه أنه اشتبه في وجود علاقة لي بتلك المحاولة على الأقل، ولكنه كان رجلا صالحا، وأدى مهام عمله المرهق

609

608