الصراعات والوئام في زنجبار
الجزء ١ · صفحة ٣٠٩مراعيا أن يسبب لي أدنى قدر ممكن من الضيق. والحق أنني لم أتعرض من جانب كل العاملين بالسجون الستة التي سجنت بها لأي معاملة رديئة. . وعموما كانت هذه سادس وآخر محاولة فاشلة للفرار من السجن.
وهاهو ذات المدير يبلغني بارتياح بالغ أنه قد تقرر أخيرا إطلاق سراحي. وحينما أراد من تقرر أن يرافقني إلى دارالسلام، أن يأخذ المبلغ الصغير الذي كان محفوظا بالأمانات في المكتب، قال مدير السجن: دعه يأخذ أمواله بنفسه. إنه الآن حر". وهكذا، وبعد أكثر من عشر سنوات صرت مؤهلا بدرجة تكفي للتصرف في نقودي. إنها مسألة بسيطة، ولكنها توضح كيف يجرد السجن والاعتقال أناسا راشدين من آدميتهم فبحكم السجن والمعتقل يسند لحارس أمي أمر إدارة مالي، كما لو كنت طفلا. ولا يؤتمن شخص راشد على التصرف في شلنات معدودات مملوكة له. والآن بلغت الرشد، وهو ما لم يحدث لي من قبل لدي ترحيلي من سجن إلى آخر.
وصلت إلى سجن كيكو بعد المغرب. وكان من المطلوب إثباتي في سجل النزلاء، تماما كما حدث يوم قدومي من زنجبار عام.1964. وسألني الحارس المسؤول عن السجل عما إذا كنت أريد زنزانة منفردة، أم أفضل البقاء مع أصدقائي. وكان هذا الخيار الذي طرح علي هذه المرة ميزة جديدة. وبهذا السؤال ذاته علمت أن هناك آخرون بجانبي، وجاء ردي باقتباس المثل السواحيلي القائل: "لا يحب العزلة إلا مشعوذ". وبناء عليه صدرت أوامره بحبسي في زنزانة (محسن علي. كانت تلك مفاجأة أخرى. هل
والدي يمتلك زنزانة هنا؟ لم أسأل من هو محسن علي، على اساس أنني سأكتشف الأمر بنفسي بعد برهة. وجدت محسن علي شابا من البهرة، ودودا ولطيفا إلى أبعد الحدود، متدينا، شديد المواظبة على الصلاة. إلا أن كل هذه الخصال الحميدة لم تحل دون اعتقاله بتهمة أنه "مخرب اقتصادى". فهو مثله مثل شابين شيعيين من الإثناعشرية تركتهما في سجن، دودوما، ومثل صديقى محمد خان في موانزا ممن استطاعوا عبر العمل الجاد تحقيق قدر من الرخاء الاقتصادي، يجدون أنفسهم محلا للقبض عليهم واعتقالهم بمجرد أن يتقاعسوا يوما ما عن رشوة تلك الأيادي الكثيرة الممتدة في شبكة واسعة تطوقهم. فشرط ألا يتعرض لهم أحد بسوء هو تمكنهم من إرضاء الجميع. ومعروف أنه من الصعب أن ترضي الجميع على الدوام. فالمثل يقول: "إرضاء الجميع، في كل الأحوال من المحال". ولهذا السبب جيء بسمي والدي إلى السجن. وعلى كل حال فإنه كان يمثل النقيض التام لشخصية علي محفوظ فهو شاب هادئ، ومتزن. وهو مثل الشابين الإثناعشريين اللذين كانا معي في سجن دودوما صاحب شجاعة أخلاقية نابعة من إيمانه الديني. وعاش محسن علي في زنزانته الصغيرة، كما لو كان في بيته، وتقاسمها برحابة صدر مع جمعة علاي ومولد مشنجاما اللذين وجدتهما معه، وانضممت إليهم. وكان لمحسن سرير، ألح علي أن أنام أنا عليه، ولكننى رفضت. وتقاسمت الأرض مع جمعة ومشنجاما. ولد النفي
2
البهرة طائفة شيعية صغيرة ترتكز بالهند ويبلغ تعداد أتباعها المليونز - محمد البرواني
611
610