الصراعات والوئام في زنجبار
الجزء ١ · صفحة ٣١١وفي المطار، لم يكن هناك أحد في استقبالنا، ليس نحن ممن كنا مجرد مساجين أفرج عنهم، بل معالي وزير الداخلية ومفتش الشرطة التنزانية العام. وبعد قرابة عشر دقائق أو ربع ساعة رأينا سيدة حافية تجر قدميها تسير إلينا. سألها الوزير: ألا تقدمون لنا شيئا، ولو حتى علبة عصير؟ وبعد أكثر من نصف ساعة جاء إدنجتون كيساسي قائد الشرطة بعذر أقبح من الذنب، حيث قال: "معذرة. كنت في الكنيسة. فاليوم الأحد كما تعلمون".
وهكذا ظهر أن أولئك المسؤولين، لم يكتسبوا بعد عشر سنوات من إدارة حكومة رديئة أبسط مبادئ المجاملة الاجتماعية، ناهيك عن قواعد البروتوكول الرسمية. فها نحن الآن في وضعية ينتظر فيها وزير الداخلية، ومفتش عام الشرطة في المطار ليستقبلهما قائد الشرطة الذي يأتي متأخرا بنحو ثلاثة أرباع الساعة. ألا يعرفون أن الوزير الاتحادي يجب أن يكون في استقابله على الأقل نظيره في زنجبار؟ ولو كان كيساسي متدينا إلى درجة أنه لا يستطيع التخلف مرة عن كنيسته، ألم يكن بوسعه أن ينيب شخصا آخر من بين مرؤوسيه لاستقبال رئيسه المباشر مفتش عام شرطة الاتحاد الذي جاء مع رئيسهم جميعا وزير الداخلية الاتحادي؟
وفور تقديم ما اعتبره من وجهة نظره، اعتذارا، شرع كيساسي في إعطائنا صورة عامة عن: "الإنجازات" التي سنراها في التو بأم أعيننا. سنرى الوحدات السكنية، التي بنيت للشعب، وفندق بواواني، بمطعمه الأكبر من مطعم أي فندق آخر في شرق إفريقيا". ذاك الفندق الذي هو مفخرة الثورة وسنام إنجازاتها. "ولو سألتموني عن التصميم المعماري لذلك الفندق، أو أي مبنى آخر
نشيده، سأقول لكم: لا يوجد شئ من هذا القبيل. فنحن لسنا بحاجة إلى تصميمات معمارية. نحن نشيد المباني بأنفسنا، وبأموالنا. وحتى لو انهارت، فلا بأس. سنبنيها من جديد. أمعنت النظر في ملامح وجهه، ظنا مني أنه ربما يمزح. وتبين لي أنه لم يكن يمزح، بل يتكلم بجدية مطلقة. وجاء الدور على الوزير ليتندر عليه. قال عمر محاجي بلغة شبه اعتذارية: "نحن ي البر الإفريقي لا زلنا متمسكين بالأفيون الاستعماري، بأن يكون لكل مبنى مخطط، معماري، ومسح كمي، وإشراف مهندس مدني، وما شابه ذلك، تماما كما كنا في عصر ما قبل
الاستقلال"
لم يفهم كيساسي، أن الوزير يستهزئ. وواصل حديثه بفخر، قائلا: تخلصنا من كل تلك النفقات غير الضرورية. وسترون المدينة الحجرية القديمة. البيوت تتساقط من تلقاء نفسها، الواحد تلو الآخر. ولا نحتاج لهدمها. وفي فترة وجيزة سيتم إعادة بناء المدينة بالكامل. وستندثر المدينة القديمة". وهكذا كان أولئك الأوغاد المخربون يفتخرون بما أحدثوه من خراب.
وبعد مغادرتنا المطار، رأينا مباني مازيزيني الحكومية التي بنيت قبل الثورة بسنوات معدودات. وجدناها بحالة يرثى لها. تلاشت حدائقها، وزحفت عليها الأدغال. تعجبت إن كانت المدينة الحجرية القديمة مدانة لكونها بنيت علي يد الإقطاعيين العرب المكروهين، فإن الذي بنى مباني ضاحية مازيزيني هم إحباؤهم الاستعماريون البريطانيون. فلماذا يتركونها تبلى على هذا النحو بينما هي صالحة تماما للاستعمال؟ علمت لاحقا أنها مستعملة بالفعل، ويقطنها القادة الثوريون أنفسهم. كل ما في الأمر أنهم
615
614