الصراعات والوئام في زنجبار: ذكريات علي بن محسن البرواني

الصراعات والوئام في زنجبار

الجزء ١ · صفحة ٣١٢

عاجزين عن تقدير، استحباب، ناهيك عن ضرورة، جعلها نظيفة ومرتبة.

وقطعت السيارة طريق ميتشنزاني العريض للغاية، المحاط بوحدات سكنية ضخمة خالية من أي مسحة معمارية لنصل أخيرا، إلى مبنى فندق بواواني المناظر لها في الغرابة والتشوه الخالي من أي معلم يخفف من رتابته غير مستنقع أشجار القرم الموحل. ثم إن بياض الجدران التي لا تحميها السقوف المائلة في جزيرتنا التي تتخبطها الرياح الموسمية، كان معناه شيئا واحدا، هو تحول تلك الجدران البيضاء إلى لون رمادي كالح يجعل المبنى أشبه بقلعة قديمة، أو سجن منه بفندق بني من عهد

قريب.

وقابلنا مفاجأة أخرى حين استضافنا ايدنجتون كيساسي على كوب شاي وكعك في الفندق. لم يسمح لسائق السيارة بالجلوس معنا على المائدة. التهم كعكاته على مسافة منا. كنت على وشك الإلحاح علي أن يجلس معنا كأمر نعتبره طبيعيا، وتعودنا عليه طيلة حياتنا نحن الإقطاعيون الأرستوقراطيون، والرجعيون

البرجوازيون.

وها نحن الآن، مع أولئك الذين قلبوا حال البلد رأسا علي عقب بحجة إقامة المساوة، يميزون صراحة ودون حياء ضد واحد من بني جلدتهم ولونهم وعقيدتهم السياسية، لمجرد كونهم يشغلون وظيفة متواضعة. ثم إننا رأينا تلك السيدة التي هي موظفة حكومية تستقبلنا في المطار، وهي حافية القدمين. لا تمتلك حتـ الحذاء. ونحن هنا إزاء الرجل الذي قاد السيارة من المطار إلى فندق بواواني وهو مواطن، ينبذ في مكان قصي، من جانب ذات

القادة، الذين كان يجب أن يقدموا المثل على الأقل أمامنا نحن الإقطاعيين المهزومين. هذه هي مزرعة الحيوان لجورج أورويل تطبق علي الواقع.

وكانت صدمة لزميلي ولي حينما كانت السيارة تطوف بنا في جولة في أرجاء المدينة، أن لاحظنا ندرة من نعرفهم، أو نتذكرهم. وما أن عبرنا نفق مبني المعهد الإسلامي سابقا، حتى رأينا أستاذي ابراهيم قاسم الذي درست الحساب على يديه بالمدرسة الابتدائية على دراجته تبدو عليه أمارات الشيخوخة. ولم نلفت نظره. وبدا لنا المكان كله غريبا. وموحشا. ورأيت في هذا كله تجسيدا لكوابيس كانت تطاردني في السجن. وبعد مشاهدة مصنع أحذية بني مؤخرا في متوني اقتصرت زيارتنا له على مشاهدته من الخارج وزيارة لمطعم مرهوبي على الشاطئ، المحاط بسلك شائك، لمنع المتطفلين من الدخول، طرنا إلى الجزيرة الخضراء: بيمبا وكنت قد تكون لدي انطباع مما سمعته بالراديو عن هذا المطعم أنه مكان يمكن للمرء أن يستجم فيه على الأقل، ويدعو أصدقاءه على الطعام فيه، ويقضي به وقتا طيبا، محاطا بالخضرة وبيئة البحر الخلابة. وجاءت الحقيقة الواقعة لتبدد ما دار بمخيلتي. نعم. فلقد قتل السلك الشائك الكئيب، والموائد اللزجة والكراسي البلاستيكية الرخيصة كل أحلامي. وهناك قابلت واحد من اثنين إما موسى ميسره، أو خميس درويش. خانتني الذاكرة.

ويلزمني القول أن الاستقبال الشخصي الذي حظينا به بوصفنا الأعداء السياسيين السابقين من جانب القادة الثوريين وغيرهم، لاغبار عليه من وجهة نظر المجاملة الشكلية. فلم يكن ثمة ما

617

616