الصراعات والوئام في زنجبار: ذكريات علي بن محسن البرواني

الصراعات والوئام في زنجبار

الجزء ١ · صفحة ٣١٣

يؤشر على مشاعر عداء ولا كراهية، ولا سرور ولا سعادة. كل شئ كان عديم الروح، شبيها بفعل الإنسان الآلي، خال من أية عواطف إنسانية من أي نوع كانت وتراءى لنا أن الجميع باتوا منكسرين، فقدوا مذاقهم وحيويتهم، مثلما تفقد زجاجة مياه غازية مفتوحة من ليلة ماضية فورانها. ويبدو أن نشوة الإمساك بزمام السلطة قد تبددت بعد عشر سنوات عجاف الباقي الوحيد بعدها هو الاقتصاد المحتضر الكئيب.

وطافت بنا السيارة، في جزيرة بيمبا، من مكواني في الجنوب مرورا بتشاكيشاكي، وصولا إلى ويتي في الشمال. وجدنا الطريق بحالة ممتازة، إذ قد فرغت شركة أجنبية من تشييده من فترة وجيزة. إلا أن مزارع بيمبا المعتنى بها على ما ألفناه، اجتاحتها الأدغال. وصارت أشجار القرنفل شبيهة بالأشباح، مصابة بمرض موت الأطراف، في مرحلته المتقدمة. وبدت الطرق خالية من السيارات ومن الناس. فقط رأينا بشكل عرضي رجلا وامرأة طاعنين في السن خائري القوى جالسين على باب بيتهما.

وبدت علامات الإصابة بالملاريا، والدودة الشصية، أو اليرقان مستشرية بين سكان كل من زنجبار وبيمبا. والمستثنى الوحيد بالطبع هو الأبقار السمان في المراعي الغنية والواسعة، والقادة السياسيون والحكوميون السمان الذين يرتعون في خيرات الممتلكات المصادرة. بل حتى هؤلاء لاحت عليهم معالم التخمة والانتفاخ، وباتت بطونهم على شفا الإنفجار.

وفي، ويتي أطلعونا على إحدى البنايات المكونة من شقق للإسكان الشعبي. واستدعوا أحد السكان، بينما كان محافظ تلك المقاطعة يقول لنا أن السكان لا يدفعون إيجارا.

هنا قاطعه الساكن، وقال: "لا، أنا أدفع ثلاثة وثلاثين شلنا شهريا

رد المحافظ: هذا" مقابل استهلاك الكهرباء".

قاطعه الرجل للمرة الثانية، قائلا: "لا" توجد كهرباء في شقتي". رد

المحافظ: "لابد إذن أن تكون مقابل المياه".

مرة أخرى قال الرجل: "المياه غير موصلة لشقتي". رد المحافظ قائلا: "إمش أنت لاتعرف أي شئ". "

واستدعوا شخصا آخر أجاب بالإيجاب على كل الأسئلة التي طرحت عليه، وفق مشيئة مضيفينا تماما.:ثانيا عبود جومبي يرفض مقابلتنا

أخذونا بعد ذلك إلى ما جرت العادة أن يكون بيت محافظ الإقليم. تبين لنا أن عبود جومبي رئيس زنجبار وحاشيته موجودون فيه. ذهب الوزير عمر محاجي لمقابلته، بينما انتظرنا نحن بالخارج تحت شجرة مانجو وكأننا طالبي عطاء مساكين. وبعد مدة عاد ليقول لنا أن عبود يرى أنه حيث أننا قد تم الإفراج عنا بأمر من الرئيس نيريري، فإنه من غير الملائم له بصفته نائب رئيس الاتحاد التنزاني أن يقابلنا، خشية أن يفسر ذلك على أنه يعني تعليق الإفراج عنا على أي شرط. ولا يمكن لأحد غير عبود أن يفكر بمثل هذا المنطق. فمن الواضح أنه بصفته انقلابيا، يفكر ورأسه إلى أدنى، ورجليه إلى أعلى منكوسا على

رأسه.

619

618