الصراعات والوئام في زنجبار
الجزء ١ · صفحة ٣١٤لم نندهش كثيرا لهذا التصرف. فكل القيم والأعراف والتقاليد
انقلبت رأسا على عقب في مرحلة ما بعد الإنقلاب. فمفهوم الثورة ذاته يعني باللغة السواحيلية حرفيا جعل عاليها سافلها. والواقع المشاهد أن كل شعب زنجبار من القمة إلى القاع بات يبدو وكأنه يسير على رأسه، وقدماه معلقتنا في الهواء. وزبدة القول أنني بت
على قناعة بأنني أكون بمثابة من يطلب المستحيل، فيما لو أردت أن أرى الأمور بالمنظور الذي تعودت على رؤيتها به سأبدوا آنذاك وكأنني غريب من خارج العصر. سأكون مثل رجل يرتدي ملابسه يدخل نادي العراة والحكمة القديمة تقول: "إغمض عينيك حين تدخل بلد العميان".
قال عمر محاجي أننا لوكنا نحن أنفسنا نريد أن نقابل الرئيس فإنه لا مانع لديه. قلنا أننا لا نريد مقابلته عندها دعينا إلى مبنى خارجي لتناول الغداء. وفوجئت لدي مروري على المطبخ أن الطاهي هو أحد كبار الخدم في قصر السلطان. بل كان هو حاجب السلطان والسلطانة. ثم كانت عاقبة أمره خسرا. فكان هو
الذي أرشد الرعاع أثناء الثورة لنهب ما في القصر أثناء الثورة.
ومما لا ريب فيه أنه كان وهو بصدريته القرمزية، وغطاء رأسه في بهو مقابلات السلطان الرسمية، أكثر كرامة، منه وهو يرتدي تلك الملابس الرئة، ويجلس القرفصاء على أرضية المطبخ وحوله أواني وقدور طبخ سوداء في مطبخ عبود جومبي. فهو لم يكسب من الخدمات الجليلة التي قدمها للـ " الثورة" غير هبوطه من بلاط السلطان إلى مطبخ عبود جومبي. حييته باحترام دون أن أكشف عن مشاعري أو عن ما يجول بخاطري.
خيرونا بين الأرز بالبهارات، أو الموز الأخضر بالسمك. وكانت مفاجأة للجميع أن ثلاثتنا اخترنا البديل الأخير. فلقد كان الأرز
في ذلك الوقت هو الغذاء المفضل لدي الزنجباريين. أما نحن فقد سئمناه حيث كان هو غذاؤنا اليومي على مدى عشر سنوات بالسجن. وكان داوود محمود وخميس صبور من بين القادة الثوريين الذين حضروا معنا تلك الوليمة. وداوود محمود هذا واحد من بين تلاميذ الشيخ حاجي محمدي. وكان هو المتسبب مرارا في القبض المتكرر على شيخه وأستاذه، وإهانته. أما الثاني خميس صبور - الذي كان اسمه في شبابه متومواميكوا، فهو منحدر من قبيلة تنتمي إلى البر الإفريقي، ولكنه تربى في بيت خالي الشيخ خلفان بن سالم. وارتبط خميس من وقت مبكر للغاية بالجمعية الإفريقية، وصار عضوا نشطا في تلك الحركة المعادية للمواطنة. الزنجبارية. وكافأوه على ذلك بمنصب محافظ جزيرة، بيمبا، فضلا عن بعض الممتلكات المصادرة بعد ثورة 1964. ومع ذلك، فإنه ختم حياته مزارعا معدما، يحمل على رأسه سلة الموز والكاسافا في السوق. وفي المساء أعادونا إلى دار السلام. حيث أخذنا أمتعتنا القليلة تي خرجنا بها من سجن كيكو. وذهب مولد مشنجاما للإقامة مؤقتا مع ابنة أخيه زوجة الدكتور أوكي، بينما ذهبت أنا وجمعة علاي إلى بيت خلفان أحمد ابن شقيقتي الذي كان مقيما في
ميكونجوني.
وفي اليوم التالي، انتقلنا معا إلى بيت ابنة أختي جميلة بنت بدر، وابنتها فاطمة محمد حمود في ماجوميني، حيث قضيت خمسة أشهر في انتظار استخراج جواز سفر للذهاب إلى مصر للم
621
620