الصراعات والوئام في زنجبار: ذكريات علي بن محسن البرواني

الصراعات والوئام في زنجبار

الجزء ١ · صفحة ٣١٦

حينئذ عقدت العزم على اتباع نصيحة صديقي القديم محمد عبيد، الذي نصحني فور إطلاق سراحي أن أخرج من البلاد، وإلا فسيكون مصيري مماثلا لمصير إخواني باعلوي وكومبو وأباذر الذين حصلوا علي تأكيدات بالحرية الكاملة في العيش حيث يشاؤون، والذهاب إلي حيث يشاؤون، ثم فجأة ودون سابق إنذار أعيد القبض عليهم وسجنهم لمدة عامين إضافيين.

قمت بترتيبات مع ثلاثة أفراد كل على حدة. ورغم ثقتي المطلقة فيهم جميعا، فإنني احتفظت بسري لنفسي، ولم أكشف لأي منهم الترتيبات التي قمت بها مع الآخرين وقررت أن أتبع أول من يأتيني قائلا: أن أوان الرحيل. وهؤلاء الثلاثة هم تلميذ سابق من تلاميذي، والثاني واحد من أنصار الحزب المخلصين، وشقيقه متزوج من إحدى بنات إخوتي. والثالث ابن خال زوجتي. وثلاثتهم وطنيون غيورون، أعلم أن كل واحد منهم على استعداد لأن يضحي بحياته في سبيل خلاصي. وأنا أقر بعجزي التام عن رد. جميلهم وأجرهم عند الله تعالى جزاهم الله تعالى هم وأسرهم، خير الجزاء في الدنيا والآخرة.

وشاء الله تعالى أن كان السبق لابن خال زوجتي، الذي أبلغنـ ذات ليلة وقد قارب شهر رمضان على الانتصاف، أن قد حان الأوان. لم أخبر أحدا باستثناء حفيدة أختي فاطمة محمد حمود. واقترحت عليها أن تقول خلال الأيام الثلاثة التالية لكل من يسأل عني، انني ذهبت إلى مدينة ليندي الجنوبية لزيارة عمي المقيم هناك. وحاكيت في ذلك الخدعة التي لجأ النبي صلى الله عليه وسلم إليها عند الهجرة من مكة إلى المدينة. فلقد سار عليه السلام في اتجاه الجنوب قبل أن يغير اتجاهه صوب الشمال إلى

کت

المدينة التي هي وجهته الحقيقية. وكان سعيد عبود مكاندا حاضرا حين هممت بمغادرة ماجوميني، وتناولنا معا الإفطار. ونظر إلى بفضول واضح، يستشف منه أنه كان يعى أن ساعة الصفر قد حانت. وهو الذي سبق له أن حذرني من الإفصاح لأحد، حتى له هو نفسه عن يوم مغادرتي

نقلني شاب يدعى محمد مبارك لا يعرف شيئا عن خطت بدراجته البخارية إلى المحطة لأستقل منها الأتوبيس، الذي أوصلني إلى المدينة، لأنتقل منها في عربة نقل إلى تانجا. واختفيت فيها حسب الترتيبات يومين، توطئة لعبور الحدود إلى كينيا. وكنا حسب الترتيبات أمام ضرورة العبور بسرعة. وهنا واجهتنا انعطافة مفاجئة لم أكن أدري كنهها على الجانب الكيني تلقينا في ضوئها توصية بالتخلي عن فكرة الهروب من أساسها.

إلا إنني كنت مصمما على الرحيل في ذات الليلة. وأنا معروف وسط عائلتي، بسمعة لا أستحقها، وهي أنني لا أتزحزح عن رأي عقدت العزم عليه. ورأيت أن إلغاء الخطة على نحو ما أوصانا به عيننا في كينيا، سيكون بمثابة كارثة. وصممت على السفر في ذات الليلة.

وكان سيل المكالمات التلفونية المحمومة بين الجانبين مشفرا. وفي النهاية ورغم كل العقبات جاءت إشارة الموافقة، ونقلت إلى بيت ليس ببعيد معزول عن الحدود الكينية. ومن هناك نقلن مرافق على دراجته فى المناطق التي يمكن قطعها بالدراجة، ولا يمكن السير فيها على القدمين وحكيت تجربتي هذه في هذا الموقف في تقرير بعنوان كنت سجين نيريري " وسأعيد نشره هنا، لأختم به هذا الكتاب. ولن أستطيع ما حييت أن أوفي بالدين

625

624