الصراعات والوئام في زنجبار: ذكريات علي بن محسن البرواني

الصراعات والوئام في زنجبار

الجزء ١ · صفحة ٣١٨

ويؤشر هذا الفصل على إصابة الكثير من الأنظمة الحاكمة في عالم ما بعد الاستعمار التقليدي بداء العجز عن العفو والعيش في كنف دائرة الشك الأعمى الخبيثة. فحتى بعد قرار الإفراج غير المشروط، تعود السلطة إلى مصادرة الحق في الطمأنينة، وتمنع جواز السفر، وتجعل الحرية المتاحة قاصرة في أحسن أحوالها على العيش في المنفي بصفة لاجئ، بمنأي عن الوطن، وتقتل فرصة البناء، وإعادة إصلاح ذات البين وهنا تتشوه المفاهيم، وتفقد مضامينها. فإطلاق السراح لا يصير مرادفا للحرية. وحتى السجان يرى من هول ما يشاهده في سجون أوجدها المستكبرون للمستضعفين - مع أن كلاهما من أولاد آدم وحواء، أن الشنق أهون من الإعتقال. ومع جمع السلطات بيد شخص واحد وتسميته بالمعلم والحكيم، وتعلية كلمته على كل شرع وكل عرف وكل قانون، يتكرس الإستبداد، وتنتفي حرية كل من يخضعون لحكمه، وتغدو القوانين والدساتير مجرد حبر على ورق.

=

الأنظمة

ومن منطلق العدل في القول نرى المؤلف يؤكد على أن زبانية السجن ليسوا سواء منهم السادي المصرّ على التمادي في الغي، ما دام قادرا عليه، وعلى التفنّن في أساليب التنكيل بالبشر، محروسا في ذلك بالفساد والتزييف وانتفاء المحاسبة والشفافية وهوان القوانين، في واقع المستبدة. ومنهم صاحب الضمير الحي المغلوب مع ذلك على أمره، والمؤدي لعمله بفتور المضطر غير المؤمن به.

ويعري المؤلف نفاق منظمات حقوق الإنسان التي تعمل على نحو مسيس يداهن، ويتكلم بالهمس في أحسن الأحوال حينما يتعلق الأمر بانتهاك حقوق الإنسان العربي المسلم، ويعلو أزيزها فيما لو مست شعرة من إنسان غربي أبيض. بل هي فوق ذلك تعاير حالة حقوق الإنسان بمعلومات من خارج دوائر السجون ذاتها، هي أقرب للزيف منها إلى حقيقة الواقع. ولا مانع عندها بمقتضى النفعية السياسية، أن تجمّل الطاغية، وأن تغطي على عيوبه وتبدلها حسنات. وبفعل غزو الأيد لوجيات السياسية التي نبتت في تربة الغرب بكل صنوفها من الليبرالية إلى الإشتراكية، وصولا إلى الفاشية والنازية، وعبرت عن واقعه الصراعي، في عقول فريق من النخب الحاكمة في عالمنا الإسلامي نرى الحكومات تغير أولوياتها، وتعجز عن قراءة الحدث على حقيقته، وتفتح بنفسها أبواب إفلاسها السياسي والأخلاقي معا.

وبغض النظر عن النخبة المتغربة، فإننا نجد عناصر من البقية الصالحة من النخبة، تغاضب مجتمعاتها، وتهاجر إلى الخارج. وبدل أن تتأمل في دروس تجربتها بكل أبعادها، وفي واقع أمتها، وتنقب في إمكاناتها البشرية والمادية الكامنة والمهدرة، وتركز على إصلاح بيتنا الداخلي، تسعى

وقبل عبوري حاجز الهجرة سمعت من يناديني باسمي. وكنت قد علمت أن صديقي الدكتور عبده، سلام وزير الصحة المصري السابق في الطريق ليكون في استقبالي. وماهي إلا دقائق حتي تعانقنا علي الطريقة العربية الإفريقية التقليدية. واصطحبني إلى صالة كبار الزوار حيث وجدت زوجتي وابني الأصغر، الذي بلغ حينها الثالثة عشرة. وفي التو وصلت شقيقتي الأكبر وثلاثة من بناتي يالها من فرحة ويالها من بهجة ونشوة وجدانية غامرة.

هذه هي اللحظة التي عايشت سنوات من الحرمان من أجلها، وتحملتها بصبر .. جميل وبات الحلم الذي شد من أزري بالسجن حقيقة واقعة أصبحت مع أعز الناس على قلبي. بوسعي أن أراهم. . أن أتحدث معهم. . أن استمع إليهم. . بل حتى أن ألمسهم. . أشمهم. . أقبلهم وأتذوقهم بشـ بشفتاي. وافرحتاه. وها هي السعادة الغامرة المتمثلة في أنني أفعل كل هذا

لجذب ما تبقى من عناصر حاملة للهموم الحقيقية لأمتها، إلى الغرب لتغرق هي الأخرى في حبائله وفي مشكلاته، بذريعة القيام بنشاط اقتصادي ودعوي، بينما تعاني العناصر التي تصمد وترفض الإنشغال بغير هم أمتها المباشر، ومن على أرضها من منطلق الوعي بأن فاقد الشئ لا يعطيه، وأن لب المعركة الحقيقية هو الاجتهاد من أجل استعادة ذاتنا الحضارية الأصيلة، أولا قبل التفكير في هداية الغير من بيئة تعاملها بجفاء، وصفوة في الخارج تضن عليها حتى بمجرد مساندتها في نشر علمها ومعرفتها، وفي إعداد العدة للشروع في عملية تنشئة سياسية حضارية جادة مؤسسة على صحيح الدين تتخلص بها مجتمعاتنا من الفراغ الروحي الذي أصابها، ومن الأعراض السلبية المصاحبة له حتى تستعيد أمتنا ريادتها الحضارية، وتقوم بدورها من جديد في وضع البشرية على مسار إنساني صحيح مغاير لذلك الذي وضعتها عليه الحضارة الغربية الصراعية باستعمارها القديم والجديد وفي القلب من هذا كله يأتي المفتاح الذي ختم به المؤلف شهادته على العصر هذه، والمتضمن أمرين جوهريين تبني أساسيات التفسير القرآني الجامع، المرسخ للوئام، والمزلزل لأسباب الصراع بين البشر، وكتابة تاريخنا بأيدينا - المترجم.

-

629

628