الصراعات والوئام في زنجبار: ذكريات علي بن محسن البرواني

الصراعات والوئام في زنجبار

الجزء ١ · صفحة ٣١٩

دون أي قيد، ودون أن يراقبني جواسيس نيريري، ويقدمون تقاريرهم، ودون كابوس إعادة القبض على، والزج بي مرة أخرى بالسجن، دون محاكمة ولو هزلية. ولو كان النعيم لا يعني غير ذلك، لكان جديرا بأن يعمل المرء من أجله عصورا بلا كلل ولا

ملل

:أولا: الهروب إلى الحرية

سجلت الشريط التالي نصه، والطائرة تحلق بي في الطريق إلي

القاهرة:

بعد طول انتظار وبعد عشر سنوات وتسعة أشهر، صرت حرا من جديد. وأنا الآن على متن طائرة تابعة للخطوط الجوية المصرية تطير بسرعة تسعمائة كيلومتر في الساعة، وعلى ارتفاع

ثلاثين ألف قدم فوق مستوى مياه البحر، باتجاه القاهرة. وأشعر أنني ولدت من جديد. ولقد قمت بعملية هروب مثيرة من عبودية تنزانيا غادرت دارالسلام بهدوء في التاسعة مساء آخر أيام سبتمبر. وتوجهت صوب الحدود الكينية.

ومكثت أياما معدودات متخفيا قرب الحدود. ووجدت في البيت الذي اختبأت به بعض الكتب العربية الجيدة. أمضيت وقتا مفيدا في تصفح مجلدات إحياء علوم الدين للإمام أبي حامد الغزالي. وكان الفصل الذي أثار اهتمامي بشدة، وأعتزم ترجمته إلى اللغة السواحيلية، هو الفصل الذي يتحدث عن مخاطر التواطؤ مع الحكام المستبدين.

وحينما صار الساحل، آمنا، وتم اتخاذ الترتيبات اللازمة هممت بالتسلل عبر خط الحدود إلى كينيا وإلى الحرية، وإذا بي أجد

نفسي محاطا بحرس الحدود المسلحين بالبنادق، تعززهم ميليشيات محلية مسلحة بالمناجل. ولحسن الحظ، نجح مرشدي في الهرب، وذهب ليعلم صديقي الذي كان ينتظرنا على بعد عدة أميال على الجانب الثاني من خط الحدود ومعه وسيلة النقل اللازمة.

ونجحت بعد ساعتين من المساومات في إقناع الحرس بأن يخلوا سبيلي، ويتركوني حرا. كانت تلك مهمة صعبة لمست فيها وترا حساسا في ضمائرهم، حينما قلت لهم أنني فار من ويلات تنزانيا. ولحسن الحظ لم يتعرفوا على هويتي الحقيقة. فقط صدقوا جوهر حجتي. قلت لهم أن زوجتي وأولادي في مصر، وأنا أخوض غمار كل هذه المخاطر من أجل لم الشمل معهم، بعد أن فشلت في الحصول على جواز سفر من الحكومة التنزانية. وقلت لهم أنني واحد من ألوف المعتقلين دون محاكمة. ولم يطلق سراحي إلا من أمد قريب، وثمة احتمال كبير لأن يقبضوا علي مجددا فيما لو بقيت في تنزانيا. وقلت لهم أنهم لو أخذوني إلى الحجز، فمن المؤكد أنني سأعدم كما فعلت السلطات التنزانية من قبل بألوف المعتقلين دفعوا بأنهم قطعوا على أنفسهم عهودا بخدمة بلدهم، وأن يحرسوا حدودها. قلت لهم أنني مخطئ من الناحية الفنية بانتهاك القانون ولكنني لست مخطئا في محاولة إنقاذ حياتي. فالسيد المسيح فعل ذلك. حاول الهرب. وأولئك الذين ساقوه إلى الصلب، كانوا هم أيضا يعتقدون أنهم يطبقون القانون ولكنهم كانوا من المنظور الأخلاقي مجانبين للصواب. وبالتالي، إذا سلموني إلى رؤسائهم،

631

630