الصراعات والوئام في زنجبار: ذكريات علي بن محسن البرواني

الصراعات والوئام في زنجبار

الجزء ١ · صفحة ٣٢٤

ووجوه هؤلاء الحزينة تطاردني. ويوجد مئات مثلهم في سجون تنزانيا الكثيرة، لا يعرف أحد عددها بالضبط. والبعض يقدرهم بالألوف. وفي بعض السجون يتقاسم أربعة نزلاء بطانية واحدة بالية. وقد يتقاسم أربعة حصيرة من الكتان يفترشونها على أرضية

أسمنية، تقوم بالنسبة لهم، على خشونتها، مقام السرير والمراتب.

وحين دخل زميلي مولد مشنجاما سجن بوكوبا، لأول مرة عام 1964، كان عدد نزلاء ذلك السجن قرابة ستين نزيلا في المعتاد. ولما لحقت به عام 1969 وجدنا عدد النزلاء قد ارتفع إلى ثلاث مائة، وحينما رحلنا منه عام 1971 كان عدد نزلاءه قد جاوز الستمائة، على الرغم من افتتاح سجن آخر على بعد أميال منه استوعب الجزء الأكبر من المسجونين. هذا هو التقدم الذي سجلته تنزانيا، وهذا هو المؤشر على شعبية نظام الحكم القائم فيها. المزيد من السجناء، والمزيد من المعتقلين.

ثالثا: الشنق أهون من الاعتقال

من المؤكد أن الرق والاستعمار شرور أهون من الاعتقال دون محاكمة. ولكن قليلون هم أولئك الذين يدركون هذه الحقيقة. وإنه لكابوس، أن يعيش المرء في بلد يمكن فيه القبض التعسفي عليه وفق هوى شخص أوحد، ويزج به في غياهب السجن لأجل غير مسمى. فمشهد الأفاعي وهي تختبئ في كل جحر لا يمثل كابوسا لمن سبق أن لدغته فحسب، بل هو الجحيم بعينه.

أما والحال كذلك، فإن السجون المنتشرة في كل أرجاء تنزانيا تعج بمئات المعتقلين، لا يعرف الكثيرون منهم التهمة القانونية التـ

تل

بسببها هو داخل السجن لأن أحدا منهم لا توجه له تهمة.

ويعتري مثل هؤلاء المعتقلين إحساس غامر بإمكانية نسيانهم.

و يفقد المعتقل بمجرد أن يصير داخل السجن، أي مؤشر كانت ضبابيته بخصوص الموعد الذي سيتم إطلاق سراحه فيه. فهو بالسجن طالما كان ذلك يسعد الرئيس. ولقد وصف بيرنارد بلامود شعور المعتقل بأسلوب بليغ في كتابه الموسوم "المتواطئ"

بقوله:

"وهكذا" تمر الأيام. كل يوم يمر وحيدا. يزحف كشئ يحتضر. وفي بعض الأحيان، يفكر، فيري أن ثلاثة أيام. مرت ولكن الثالث هو والأول سواء. إذن هو في اليوم الأول لأنه لا يستطيع أن يجد فرقا بين أن ير كل يوم من الأيام الثلاثة قائما بمفرده أو أن يجمعها معا. يوم واحد يزحف ببطء وينقضي، ليتلوه يوم واحد آخر يسير علـ

دربه

إذن لا يكون أبدا أمام أيام ثلاثة، ولا خمسة، ولا سبعة. فلا وجود لما يسمى الأسبوع، طالما أنه لا نهاية لزمانه في السجن. ولو أنه كان يقضي حكما بعشرين سنة مع

الأشغال الشاقة فى سيبريا، لكان للإسبوع معنى ما.

أما بالنسبة لرجل قد يمكث بالسجن أياما غير معدودات فلا يوجد إلا يوم أول يتلوه يوم أول آخر الثالث هو الأول. والرابع هو الأول. والواحد والسبعين هو الأول. والأول هو الثلاثة ألوف. ".

641

640