الصراعات والوئام في زنجبار: ذكريات علي بن محسن البرواني

الصراعات والوئام في زنجبار

الجزء ١ · صفحة ٣٢٥

ومن المصادفات ذات الدلالة أنني يوم قرأت هذا الاقتباس في الخامس من اكتوبر،1972، كنت فى اليوم رقم 3187 فـ المعتقل، وبعد عامين كاملين، وفي ذات اليوم الخامس من اكتوبر 1974 وصلت حرا إلى مصر. وقال لى أوباديو روجامبوا مدير السجون التنزانية ذات يوم أنه يفضل أن يشنق على أن يعتقل. وهو يعي ويعني ما يقول فالاعتقال يعني السجن مدى الحياة. والإحساس بأن أسرتك تعاني قدر ما تعانيه، أو أكثر منك، يقهرك، ويقتلك، قبل الأوان.

أعرف خمسة ممن كانوا معي من المعتقلين في فترة أو في أخرى، ماتو خلال شهور من الزج بهم في السجون، وأربعة فرقوا بينهم وبين زوجاتهم واضطروا إلى تطليقهن.

ومكمن الشر في تخويل أي إنسان، حتى لو كان ملاكا سلطة معاقبة الآخرين دون محاكمة عادلة، أن ذاك يستبطن إبطال كل ما بالبلاد من قوانين. ففي عام 1976، كان الرئيس نيريري يخطب في مؤتمر شعبي في مسقط رأسه، وسأله أحد الشيوخ عن ماهية الاستقلال الذي حصلوا عليه ما دامت مواشيهم لا تزال تسرق؟ وبغضبة مهيبة، طلب نيريري تحديد كل لصوص المواشي من بين ذلك الجمع المحتشد.

ومن هناك ودون اللجوء إلى المحاكم، بل دون حتى استشارة وزارءه حول الإجراء الذي ينوي اتخاذه بحق المتهمين أو التثبت من المدعي العام حول مدى قانونية تصرفه أمر نيريري بالقبض على كل من تم تحديدهم في ذلك الاجتماع العام، واعتقالهم إلى أجل غير مسمى.

وهكذا انطلقت حملة اعتقالات جماعية لـ" لصوص المواشي" فـ طول البلاد وعرضها على نحو عشوائي. وتراوح عدد من اعتقلوا في تلك الحملة بين الستة آلاف والعشرة آلاف. واستقبل سجن دودوما الذي كنت نزيله آنذاك وحده قرابة ألف وخمسمائة منهم. وكانت الاعتقالات واسعة النطاق إلى حد عجز الشرطة عن مجاراته واحتياجها لمساعدة كل من جمعية شباب حزب الاتحاد الوطني الأفريقي التنجانيقي، وحراس السجون وظلت عربات نقل محملة برعاة يعلوهم الهزال في أسمال بالية، بل عراة تصل إلى السجن على مدى عدة أسابيع، إلى أن اختنق السجن برائحة كريهة لا يتحملها البشر.

وامتلأت زنزانات السجن عن آخرها بالنزلاء. وحشر ثمانية وعشرون، محتجزا بزنزانة في قسمنا مخصصة أصلا لسجين أو لثلاثة سجناء، مع أن مساحتها بما فيها دورة المياه خمسة أمتار طولا، وأربعة أمتار عرضا. وتمرد نظام الصرف الصحي الخاص بالسجن. وفاحت رائحة العرق والغائط، في المكان كله.

وبعد شهر أو شهرين تفشي مرض غامض. وأصيب معتقل باستسقاء، وفارق الحياة خلال يوم أو يومين. وكل يوم كان ثلاثة أو أربعة من ضحايا تلك السلطوية القاسية القلب يقضون نحبهم. ولم تبذل أية محاولة لتزويد هذا الحشد الغفير من المعتقلين ببطانية أو بحصير. وبعد ثمانية أشهر في هذه الظروف الرهيبة شرعوا في إطلاق سراحهم، دون أن يعرضوهم على محكمة، أو حتى يستجوبوهم. ومن هنا كانوا مندهشين حين تم الإفراج عنهم بذات درجة اندهاشهم حين تم إلقاء القبض عليهم. وما دام المرء

643

642