الصراعات والوئام في زنجبار: ذكريات علي بن محسن البرواني

الصراعات والوئام في زنجبار

الجزء ١ · صفحة ٣٢٦

لم يعرف الذنب الذي اقترفه، فإنه لن يعرف ما الذي يجب عليه أن يتجنبه حينما يطلق سراحه.

فالغاية من الاعتقال في تنزانيا سر. خفي. فهل الهدف هو العقاب؟ أم الإصلاح؟ أم هما معا؟ أم لا هذا ولا ذاك؟ يبدو في نظري أن معياره هو مجرد ترويع الشعب حتى يشعر على الدوام أن على رأس الدولة سلطة مستبدة، لا تحتمل أي تدخل ولا أي نقد، ناهيك عن أن تراود أحد، فكرة تداول السلطة. وكان زملائى أبناء قبيلة الجوجو المساكين ينشدون مرثيات في زنزاناتهم، بالليل، يلعنون فيها الطاغية، ويدعون الله أن يهبهم من يقدم لهم الدواء الذي يخلصهم من ذلك الرجل. وكان معظمهم قد تم الإفراج عنه حينما أخلوا سبيلي. وبقي قليلون منهم قال مدير السجن لهم أن الرئيس قال أنه لن يفرج عنهم، إلا حينما يصيروا على درجة من الشيخوخة والضعف لا يستطيعون معها الجري وراء مواشي الآخرين.

وفي عام 1968 شن نيريري حملة اعتقالات جماعية جديدة، موجهة هذه المرة ضد " المجرمين المخضرمين"، ومن وصفوا

بأنهم على درجة من المهارة لا يمكن معها إدانتهم أمام محكمة. وبتعبير آخر، فإن المتهمين الذين لا تتوفر أدلة كافية لإقناع محكمة قانونية بإدانتهم يظل من الممكن تعقبهم ومعاقبتهم بواسطة البصيرة الغامضة للرأس الأعلى الجاثم في معزله عن الشعب في قصر الرئاسة.

تلك هي ذروة المغالاة في تقدير الذات وهذه هي وهدة الانحطاط بالنظام القانوني في البلاد وبسلطة القضاء والنظام برمته. وطالت هذه الحملة المئات. وكان قدر هؤلاء هو السجن إلى أن

يصيروا "عاجزين عن السرقة". وشملت تلك الاعتقالات الشاملة

أناسا من كل الصنوف وكان من بين ضحاياها معارضون سياسيون، رأت السلطات أنه من غير مقتضي الحكمة، رفع مكانتهم بحبسهم بصفة معتقلين سياسيين. وامتدت أيضا إلى أناس اشتبهت السلطات في كونهم يمارسون أنشطة إجرامية لمجرد أنهم باتوا على درجة من الثراء، أو من النفوذ، تفوق تلك التي يريدها لهم قادة الحزب، أو كبار المسؤولين بالحكومة. كما اكتوى بها من تاقت عين قائد ما، إلى الاستحواذ على مشاريع أعمالهم، أو على زوجاتهم. وطالت أخيرا أناسا ينتمون إلى عرق أو قبيلة أو دين لا يروق لأولئك القادة

ثم أن قانون الاعتقال الوقائي أداة مناسبة بيد الرئيس يدوس بها بحذاء غليظ حتى على أحكام المحاكم ويطبق هذا القانون وفق هوى الرئيس. وأمامنا قضية كاسيلا. بانتو اتهم كاسيلا بالتحريض على عنف تسبب في حالة وفاة. ولما لم يجد القاضي دليلا على صحة التهمة، أخلى سبيله. ولكن الرئيس لم يعجبه كلامه اللاذع، فقرر اعتقال كاسيلا والقاضي، وأمر قاض آخر بإحالته إلى المحكمة العليا. وعند نظر القضية أخلى جورجيس كبير القضاة سبيل كاسيلا بانتو. ومرة أخرى أعاد نيريري كاسيلا بانتو إلى المعتقل، فلبث فيه عامين وفهم كبير القضاة الذي هو من جزر الهند الغربية الرسالة، واستقال. وغادر البلاد بعد تلك اليل الواقعة.

ووجهت تهمة الخيانة للصحفي الشاب جراي ماتاكا، إلى جانب آخرين بيبي تيتي، واثنين من عائلة تشيباكا. وصدرت أحكام بالسجن المؤبد على بيبي تيتي، والتشيباكيين. وبعد شهور

645

644