الصراعات والوئام في زنجبار
الجزء ١ · صفحة ٣٣٠إلى سجون أخرى. وأغلق الملف. ففي بلد يوجد فيه قانون الاعتقال لا يوجد صوت غير صوت السيد. وما السلطة القضائية إلا أداة منحازة لتأبيد السلطة، وتحويلها إلى سلطة
دائمة.
:خامسا ليسوا جميعا ساديين
لا أود أن أترك انطباعا، بعد كل ما سلف لي تقريره بأن كل أو فى أغلبية ضباط السجون في تنزانيا، ساديون قساة القلوب، لا على الإطلاق. فالحقيقة أن الوزراء السابقين لقوا رفقا ومعاملة إنسانية من كثير من الضباط يحمدون عليها. بل إن بعضهم كان يلوي عنق اللوائح إلى حد كسرها، ليصنع لنا معروفا. وصحيح بالمقابل أنه كانت بسجل المعاملة وصمات سوداء يندى لها الجبين أخذت نصيبي منها. فبينما كنا لا نزال في زنجبار، دون سبب، معروف عرفنا أنهم انتقوا خمسة منا الوزراء وأبقونا في عزلة تامة بحبس انفرادي أربعة عشر يوما. كل واحد منا في زنزانة مغلقة عليه ليلا ونهارا ولا جليس ولا أنيس. والزنزانات مظلمة، عدا ما يتخلل إليها من فتحة التجسس من
الممر.
كنا في شهر رمضان شهر الصيام، وكنا نتناول فطورنا وسحورنا باللمس، وبكميات بالغة الضآلة. ولا نستطيع رؤية ما نأكله. وزاد الدلو النتن الوضع مرارة. كنت بالنهار أتضرع إلى الله أن يأتي الليل لينام الذباب وكنت بالليل أتضرع إلى الله أن يأتي النهار، ليخلد البعوض إلى الراحة. وفي اليوم الرابع عشر أتى كارومي وصدرت لنا الأوامر بأن ننضم إلى إخواننا في مستشفي السجن. يومها قال لنا كارومي أن المدعين العموميين لحكومات شرق
إفريقيا سيجتمعون في نيروبي للنظر في إحالتنا إلى محكمة لمحاكمتنا. ومن الواضح أنهم لم يجدوا شيئا في حكومتنا يمكنهم التذرع به لتوجيه أية تهمة إلينا.
ثم فصلونا ذات يوم مرة أخرى. اختصوني في هذه المرة، أنا وجمعة علاي بإرسالنا إلى زنزانتين من تلك المخصصة للمحكوم عليهم بالإعدام. وسحبت منا الأسرة التى كانوا قد أمدونا بها من البداية بأوامر من سعيد واشوتو، أحد أعضاء المجلس الثوري حين زار السجن. وحكم علي، في سجن دودوما بقضاء أسبوعين في زنزانة العقاب لكتابتي خطاب لجودفري بينيسا الذي هو زميل دراسة سابق بالجامعة، وكان يشغل ساعتها منصب المدعي العام الأوغندي، أرجوه أن يعفو عن زميل سجين كان محكوما عليه بتنفيذ حكم صادر ضده في أوغندا بعد انتهاء محكوميته في تنزانيا. واعترضت السلطات سبيل تلك الرسالة، وصادرتها.
إلا أن العقوبة في هذه المرة كانت لينة بالنسبة لي، حيث سمحوا لي ببطانية ومرتبة، وأعطوني ربع وجبتي من الأرز وبعض الخضروات مرة كل يوم. ولم يكونوا يعطوننا أي طعام في الصباح ولا في المساء. وفي عام 1971، وبعد محاولة فاشلة لخرق جدار السجن لتحريرنا، نقلونا من سجن بوكوبا إلى سجن موانزا حيث احتفظوا بثلاثة منا لمدة شهر في زنزانات المحكومين بالإعدام بنفس الترتيبات المطبقة عليهم، بدرجة أو بأخرى. وكانت تلك الخبرة صعبة.
وفيما عدا ما سلف، فإن أوضاع حياتنا في السجن كانت طبيعية ويمكن احتمالها. إلا أن ذلك لا ينسحب على بقية نزلاء السجون خاصة أولئك الذين كان من حظهم العاثر أن بقوا في زنجبار. ثم
653
652