الصراعات والوئام في زنجبار: ذكريات علي بن محسن البرواني

الصراعات والوئام في زنجبار

الجزء ١ · صفحة ٣٣١

إن أي سوء معاملة يتركز فى النظام ذاته - وليس في طبيعة الأفراد الشريرة - أعني في ذلك النظام الخاص بالاحتفاظ بالبشر في السجن دون محاكمة، للاشتباه في نواياهم بلا بينة، أو بسبب جبن طاغية يخشى على الدوام من رد فعل ما اقترفت يداه من شرور

وعرفت في السجن أيضا لحظات من الرضا الروحي العميق. فالمرء يشعر بالخير الحقيقي، حينما يوفق في إقناع سجين بالعزوف عن نية الانتحار، أو حينما ينجح في وضع ترتيبات مع أصدقاء صالحين بالخارج لتقديم دفاع قانوني من الطراز الأول، لمجموعة من الشباب حكم عليهم ظلما بالإعدام، وأن يسمع بعد ذلك، أن ذلك الحكم قد نقض. أو حينما يكتب عريضة استئناف لمحكوم، وتلغي محكمة الاستئناف حكم المحكمة الابتدائية، أو حينما يعلم شابا يافعا القراءة والكتابة، فيصير قارئا كاتبا، ويستطيع أن يوسع معارفه بمزيد من القراءات، أو حينما يستطيع أن يقود فردا من متاهات التشوش الروحى، إلى الصراط المستقيم أو حينما يهدي قميصا زائدا لديه، لآخر عاري الظهر، أو حينما يتلقى رسالة من محكوم سابق، يقول فيها بسرور، أنه تاب وصلح حاله، نتيجة ما تلقاه من إرشاد وإلهام منه حينما جمعهما السجن. كل هذه لحظات يمكن للمرء أن يتذكرها، ويستعيد ذكراها ولذتها

المبررة.

ومع ذلك، يبقى الشئ اللعين أن السجن حرمان من الحرية. ولما كانت الحرية أغلى من الحياة، فإننا يمكن أن نحكم بصوابية مدير السجن روجامبوا حين قال أنه يفضل الشنق على الاعتقال. وليس الحبس عقوبة للفرد المعنى فحسب، بل لحشد من الآخرين

لأسرة بكاملها، ولكل من تربطهم به رابطة الدم، أو الحب، أو غيرها من الأواصر. وبوسع المرء في السجن، أن يؤثر على النزلاء الآخرين بسهولة أكبر، من التأثير على من هم بالخارج. ولكن هم نادرون من يؤثرون بشكل نافع.

وتماما كما توجد لحظات يشعر المرء فيها بالتسامي لرؤيته لأعمال صالحة، أنجزت، فإنه تعتريه الكآبة في لحظات كثيرة، حينما يرى أطفالا أحداثا يزج بهم فى السجن بسبب مخالفات تافهة، ويجري تعريضهم للتأثيرات الشريرة لمجرمين قساة القلوب. ومقابل نفثة تبغ أو حشيش قد لا يتردد الولد في بيع جسده. وماذا يمكن للمرء أن يتوقع في مؤسسة فيها بشر من جنس واحد محشورون فيها بالمعنى الحرفي للكلمة، الجسد ملتصق بالجسد الآخر على مدى شهور وسنوات باستمرار؟ إن مجرد الحبس الاحتياطي يحدث تحولا كاملا في حياة الشخص، لأن الحبس الاحتياطي في تنزانيا يدوم ستة أشهر، أو سنة أو أكثر، مهما كانت تفاهة المخالفة، كالنشل، أو التشاجر

وعرفت بالسجن حالة رجل متهم بارتكاب جريمة قتل سئم من الحبس الاحتياطي ثلاث سنوات، فوافق على الاعتراف بجريمة لم يرتكبها، لأنه أراد أن تحسم القضية، بأي نتيجة كانت وصدر

مل

عليه حكم بالسجن ست سنوات فالوقت الذي تقضيه في الحبس الاحتياطي لا يوضع في الحسبان مهما طال.

:سادسا: "الرجل المنسي"

ثقيل هو الإحساس على قلب المعتقل، بأنه قد صار نسيا منسيا. ولحسن حظي فإن اللحظات التي خامرني فيها هذا الإحساس

655

654