الصراعات والوئام في زنجبار: ذكريات علي بن محسن البرواني

الصراعات والوئام في زنجبار

الجزء ١ · صفحة ٣٣٢

كانت قليلة، ولكنها حين جثمت على صدري كانت ثقيلة كالجبال. وساعدتني تلاوة القرآن الكريم وقراءة الكتاب المقدس، وكتابات شكسبير، على التغلب على الإكتئاب، وحالفني الحظ في أن أسرتي، وأصدقائي، ومنظمة العفو الدولية ممثلة بآرني كريستنسين النرويجي داوموا على مراسلتي. إلا أنه كانت هناك فجوات بالطبع، لم تكن أي من رسائلي تصل إلى أحد خارج السجن.

حدث ذات مرة حين كنت في بوكوبا، أن أيا من رسائلي لم تصل إلى وجهتها على مدى ستة أشهر لأسباب لا أعرفها. ومرت سنة ونصف السنة حين كنت في دودوما دون أن يتسلم أحد رسالة. منى. إلا أن المراسلات الداخلية الآتية بغير الطرق الرسمية لم تتوقف. وعبر أولئك الأشخاص أنفسهم حصلت على الدوام على

نخبة منتقاة من الكتب.

إلا أنني كان يحزنني الشعور بأن منظمة العفو الدولية وغيرها من ـات الإنسانية والحكومات والأفراد المتعاطفين معنا فـ محنتنا، لا يضغطون بشدة على حكومة تنزانيا المستبدة. وشاطرني كل إخواني المعتقلين هذا الإحساس.

فلقد اعتدنا سماع إدانات قاسية لنظام الحكم العسكري باليونان ولحكومة جنوب إفريقيا، وحتي لعدد من الحكومات العربية. ولكن حينما يأتي الدور على اتهام حكومة تنزانيا، فإن العبارات تصاغ بعناية لتؤكد أن المجرم هو نظام الحكم الزنجباري، وليس نيريري. بل تذهب إلى أن نيريري يستحق أن نربت على ظهره، تأثرا بحملة إعلامية تصوره بصورة ملائكية. ولم لا حين نعلم أنه حصل على وصية طيبة في هذا الصدد من آخر حاكم بريطاني وأنه يتلقى سيلا مستمرا من التبريكات من نبع الفاتيكان وكل ما

يفعله من سوء يبيض بالزيف بالليبرالية البريطانية، والكاثوليكية الرومانية" فاسم جوليوس منزه عن الفساد. والطهارة تغطي وجهه ".

ذلك أن الغرب يحكم على تنزانيا من واقع كلمات نيريري المعسولة، دون اتصال يذكر مع ضحايا طغيانه. وعلى الرغم من أن منظمة العفو الدولية، على سبيل المثال كانت تراسلني، فإن ذلك كله كان يتم عبر القنوات الرسمية. فقط رسائل قليلة، إن كانت هناك رسائل على الإطلاق، وصلتني بطرق أخرى. وقبل إطلاق سراحي بعدة أشهر، كتبت إليهم في مناسبتين تقاير تتضمن كل التفصيلات عن عدد من الحالات. ولم تصل تلك الخطابات أبدا إلى وجهتها. وكتبت لهم حتى بعد خروجي من السجن عن محنتي. ويبدو أن الرسالة لم تصلهم.

وكانت التقارير التي كتبتها من السجن مبنية على معلومات مأخوذة مباشرة من إخوانى المعتقلين. ولم يكن بوسعي في ظل الظروف التي كنت فيها أن أحتفظ معي بصور منها، أو حتى بموجز عنها. وأعتمد الآن تماما على ذاكرتي التي قد يعتريها النسيان، في المذكرات المجملة التي سأذكرها لاحقا. وتعودنا أن نسمع في الراديو أن أعضاء من منظمة العفو الدولية أو من رابطة حقوق الإنسان، أو من الهيئة الدولية للحقوقيين يزورون مسجونين سياسيين في بلدان أخرى. ولكن لم يزرنا أحد منهم في السجن أسمينا أنفسنا: "المنسيون".

ولابد أن يستقيظ ضمير العالم. فالشر الأكبر الآن ليس التعذيب، الذي يكابده المسجونون، بل في ذات أساسه المتمثل في الحبس دون محاكمة عادلة بواسطة محكمة كفئة هل إذا جرح إنسان

657

656