الصراعات والوئام في زنجبار: ذكريات علي بن محسن البرواني

الصراعات والوئام في زنجبار

الجزء ١ · صفحة ٣٣٣

أصبعه يذهب لطبيب لعلاجه؟ وهل يحاول أحد غير الطبيب معالجة مصاب بالملاريا؟

إن كان هذا هو نسق المسؤوليات، فلماذا إذن ينصب جهول بالقانون نفسه حكما، ويوقع العقوبات على أي مواطن دون اللجوء إلى المحكمة، ولا إلى القوانين؟ إن من يشغل منصبا سياسيا ما، هو أقل الناس قدرة على الفصل بحيادية في تهمة ما. ومن ثم فإنه من الطغيان اللاإنساني أن يكون هناك قانون يعطي لأي إنسان سلطة يكون بها أمره فوق القانون. إن قانون الاعتقال دون محاكمة مُعاد لكل ما هو اجتماعي وديموقراطي

وإنساني.

أتذكر، حينما كنت رئيسا لتحرير جريدة المرشد الأسبوعية، منذ قرابة ربع قرن، أن جون رانكين المقيم البريطاني في زنجبار أنئذ، كان يستدعيني عادة على نحو شبه أسبوعي، للتوبيخ. وكان على رأس ما يلومني عليه هجومي المتواصل على الإجراءات القمعية الصادرة عن حكومة جنوب إفريقيا، وعن الحكومة الاستعمارية في كينيا. وكان يقول دائما أنه لا تأثير لما يحدث هناك على الأوضاع في زنجبار. ولو قدر لي أني قابلته الآن، فسيكون بوسعي أن أخبره أنه لولا أن حكومة جنوب إفريقيا كان لديها قانون اعتقال بلا محاكمة، لما وجد نيكروما نموذجا يحاكيه ولما توفر لنيريري ما ينقصه من الإلهام للسير على ذات

الدرب.

ومن سوء حظنا أن النسخ جاءت أشد فظاظة ووحشية من النموذج الأصلي. وإنه لمن قصر النظر أن يعتقد المرء أن ما يحدث في البلدان الأخرى، لا علاقة له بما يحدث في بلده.

فعالمنا واحد. ولقد كنا نحن ضحايا القهر السلطوي ونحن بين

جدران السجن الأربعة نعي أن أعتى أعدائنا هم من يسمون الليبراليون الغربيون الذين يسعون إلى التغطية على كل ما فعله الطغاة السود، وإلى إضفاء منطق عليها، زاعمين، أنه لم يكن هناك بديل لما حدث، "في ظل الظروف الإفريقية"، وأن الغرب احتاج إلى ألفي عام للوصول إلى مستوى حريات الفرد الكائنة فيه

الآن.

وإني لأتعجب، وأتساءل: ماذا لو أن الأفارقة بدأوا في قيادة الطائرات على طريقتهم الإفريقية، واستخدموا البنادق على طريقتهم القديمة؟ بالقطع لن يحاول الليبراليون الغربيون تبرير ذلك بذريعة أن للأفارقة معاييرهم في الملاحة الجوية، وفي استخدام الأسلحة الفتاكة، وأنها يجب احترامها، وليس إدانتها. لن يقبلوا ذلك لأنه سيترتب عليه تعريض حياة الكثير من البيض للخطر. بل إن الحقيقة التي لا مراء فيها أن الليبراليين الغربيين لا يتعاطفون تجاه تصرفات سياسية شاذة تمخضت عن نكبات لمصالح البيض الاقتصادية. أما حين يكون الضحايا كلهم، أو جلهم أناس سود او ملونين، فعندها يشمر الليبراليون عن سواعدهم، ويتكاتفون جميعا: القس والمثقف الجامعي الليبرالي للدفاع عن القهر الأسود. وهذا النوع من المناصرة الضالة، يصيب الإفريقي الذي يعاني من هذا القهر بالغثيان. ولو أن اليونان حادت عن الجادة، فإنها تؤنب وتنبذ من أجل إصلاح الحكام لصالح الشعب. والحق أنه حتى الحكومات العربية تعامل باحترام وعلى نحو يقارب الندية. أما بالنسبة للسود فالأمر مختلف. ولسان حال الليبرالية الغربية يقول: دعهم يتخبطوا ويضيفوا المزيد من التشوه على اسمهم. ويحصلوا في مقابل

659

658