الصراعات والوئام في زنجبار
الجزء ١ · صفحة ٣٣٥ركب الباص من محطة ماتشاكوس، تلك المدينة الواقعة بين فوي ونيروبي رجلان عجوز يبدو من ملامحه أنه عربي مولو بالخارج، وشاب يبدو أنه سواحيلي. جاء الشاب السواحيلي وجلس بجواري وكلمني بالعربية الفصحى. قال لى أنه كان مدرسا بمدرسة إسلامية في ماتشاكوس. وسألني من أين جئت: قلت من لامو. قال أنه من مواليد لامو. وسألني: من أي ضاحية فيها أنت؟ قررت أن أكشف له عن الحقيقة. قلت له: "أنا صائم، ولابد أن أقول الحقيقة .. أنا قادم من زنجبار
قال: "أنا أعرف زنجبار جيدا. فلقد كنت مقيما في حمامني مع السيد علي قلتين". وبدا لي أن الرجل صادق فيما يقول. تابع حديثه قائلا: " كنت مع بعض أبناء التومباتو في محاولة للإطاحة بالحكومة، واضطررت لمغادرة الجزيرة، لما بدأوا في إلقاء القبض على الناس. ماذا حدث للحزب الوطني الزنجباري؟ ومن أي قبيلة أنت؟ "
حينما قلت أنني علي محسن كاد يطير من الفرح. وحين توقف الباص في استراحة نزل منه. وقال لي حين عاد إليه: "لقد أمضيت بعض الوقت في العربية السعودية أدرس الدين. وقد لا تصدقني، إن قلت لك أن من بين المعارف التي اكتسبتها ودرستها التنجيم. وكما ترى لم تكن أنت الذي بادرتني بالكلام، بل أنا الذي خاطبتك. وجئت فجلست بجوارك. فبالفراسة انجذبت إليك". لم أقاطعه فواصل حديثه قائلا: والآن سأنبؤك" بالمزيد عما أراه سيحدث في المستقبل. ستتم رحلتك في أمان الله. ولن تشوبها شائبة وستصل إلى وجهتك دون أية صعوبات. وفوق ذلك
سيكلل نضالك من أجل زنجبار بالنجاح. وستتحرر زنجبار من جديد. هذا هو ما أراه صدقتني أم لم تصدقني
تاسعا لمصر الجديدة أولويات مختلفة
اصطحبني صديقي الدكتور عبده سلام أنا وأسرتي لدي وصولي إلى القاهرة إلى بيتنا في منشية البكري. ولما اختلى بي، أسرّ إلي بأن مصر بها الآن حكومة لها أولويات مختلفة عن تلك الحكومة التي عرفتها من عشر سنوات. فالحكومة الحالية لا تضع إفريقيا والعالم العربي على قمة أولوياتها. بل تتطلع إلى الغرب. وأن علي أن أعرف ذلك من أول لحظة، مخافة أن أصاب بخيبة أمل فيما بعد كانت تلك معلومة ثمينة أفادتني كثيرا طيلة السنوات التي شاء الله أن أقضيها بصفة لاجئ في مصر. ومع أن موقف الحكومة تجاه قضيتنا قد تغير تماما، فإن موقف أصدقائي المصريين والمواطن المصري العادي نحوي ونحو زنجبار، لم يتغير قيد
أنملة.
ظلت في مصر أهراماتها في شموخها، وأبوالهول في تأمله السرمدي والنيل في تدفقه بتناغم لا معقب عليه، والأزهر أقدم جامعة في العالم تواصل إنتاج العلماء والدراسات العلمية المنهجية لتغذي بهم وبها كل أرجاء المعمورة. وظل الفلاح الودود والمضياف يلقى ضيفه بفلافله وبقلبه المفتوح. وظل فيها على الود التليد أصدقائي: الدكتور مصطفى مؤمن، وصهره الدكتور فريد أبوالعز، وفتحي صبري، وأسرته، و حلمي شعراوي وبهجت دسوقي، والدكتور عبده سلام نفسه كل هؤلاء لم يتغيروا
663
662